ومع ان المحقق لم يذكر هذه القصيدة في مقدمته، إلا انه يقول عنها وعن قصتها انها من نسج الخيال، لأن عصر البوصيري كام يزخر بالخُرافات، وان الصوفية جميعهم يدّعون رؤية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقظة ومناما، ويخاطبونه ويخاطبهم، وانه ينفي اصابة الشاعر بالفالج نفيا تامًا [1] .
ويمضي المحقق في قوله: (( وقد ترتب على ما تقدم، أن سار ذكر البردة في الافاق شرقا وغربا، وحفظها الخاص والعام، وتغنى بها الناس في الموالد والاذكار، واكثروا من تلاوتها في شتى المناسبات ... .وقد ترجمت إلى بعض اللغات الشرقية والغربية، واقبل الشعراء عليها، فمنهم من يشطرها، ومنهم من يعجزَّها، ومنهم من يخِّمسها، ومنهم من يسَّبعها، ومنهم يتسعها، ومنهم من يعشرها، ومنهم من ينهج نهجها ومن أوسعها من(الكتاب شرحا وتعليقا) [2] .
ونذكر في هذا الصدد أبياتا من هذه القصيدة المعروفة، التي يجمع فيها البوصيري بين الغزل بالاماكن الحجازية، وزيارة الطيف، مظهرا الارق وسائلا اللقاء في قوله:
أمن تذكُّر جيرانٍ بذي سَلمِ ... مَزَجْتَ دمعًا جرى منْ مقلةٍ بدمِ
أم هبت الرّيحُ من تلقاء كاظمةٍ ... واومضَ البرقُ في الظلماء منْ إضَمِ
فما لعينيك ان قلت أكففا هَمَتا ... وما لقلبكَ إن قلت استفق يَهمِ
ايحسب الصبُّ انَّ الحبَّ منكتمٌ ... ما بين منسجم منه ومضطرمِ
لولا الهوى لم تُرق دمعا على طللٍ ... ولا ارقْت لذكر البان والعلمِ
فكيف تنكر حبا بعدما شهدتْ ... به عليك عدُولُ الدمعِ والسقَمِ
واثبت الوجد خطَّي عبرةٍ وضنىً ... مثل البهارِ على خديك والعَنَمِ
نعم سرى طيفُ من أهوى فأرّقني ... والحب يعترضُ اللذاتِ بالأسمِ [3]
وفي حديث المحقق محمد سيد كيلاني عن اسلوب الشاعر وطريقته في مدائحه النبوية، يشير إلى أنها امتازت (بقوة الأسلوب، وحسن الصياغة، وجودة المعاني، وجمال التشبيهات، وروعة الصور) [4] . ثم يضيف: (( وانك لتجد الشاعر يجادل
(1) ديوان البوصيري، المقدمة: 27.
(2) المصدر نفسه: المقدمة: 30.
(3) ديوان البوصيري: 238 - 239.
(4) المصدر نفسه: المقدمة 31.