فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 180

الأول، لتمتد إلى ابن حجاج وابن سكرة، ومن ثم إلى ابن دانيال ومعاصريه، ذلك أنهم وجدوا في محيطهم ووقتهم ما دفعهم إلى نظم مثل هذه الاشعار [1] .

أما دراسة المحقق لأغراض ابن دانيال الشعرية، يجد أن أبن دانيال قد نظم في كل غرض احس ان يفرج عنه هما ظل يعانيه، وهو نزيل أرض غير أرضه ودار غير داره، فاختلط مع الناس وصور حالهم وحال مفسه في الأغراض الشعرية جميعها، فكان أول ما يطالعنا به هو (غرض الهجاء) ، فهو إذا هجا يقسو على من يهجو قسوة شديدة، ولا يبالي إذا كان المهجو ملكا أو من عامة الناس، عالما أو زاهدًا، متعبدا أو رجلا وقورًا [2] .

أما أسلوب الشاعر في صوره الهجائية فاننا نلمح خياله الخصب النادر الخارج عن التكلف، فحين تجيش في نفسه الخواطر، لا يهتم للفظ الذي يستعمله عاميا كان أو فصيحًا، فقد يتخلل بعض قصائده العامي من القول، فالشاعر يريد الهجاء لذاته خارجا عن الإطار العام للقصيدة، لكي تبقى الصورة الهجائية واضحة، بينما يهجم هجوما قويا أحيانا، وضعيفا في أحيان أُخر [3] .

وان كان هنالك توضيح عن هذا الرأي، فان هذا العمل إنما يعكس عن نفسية الشاعر، فنجده يأخذنا في جو مليء بالسخرية اللاذعة والتندر والقسوة المرة، ولا بأس في ذكر هذا المثال، حين توعده أحد ولاة ضواحي القاهرة بالقتل لأنه ذكره في قصيدة يتهكم فيها بأنه غير كفءٍ للولاية، جاء في مطلعها:

إن البلاد التي اصبحت واليها ... اضحت ولا جنة المأوى ضواحيها [4]

فوصل الخبر إلى ابن دانيال بان المهجو قد توعده بالقتل فقال يخاطبه:

اتوعدني الهوان فليت شعري ... اهذا القول جائزه لشعري

فإن بك ذاك الوعيد باخذ روحي ... كما اوعدتني ياطول عمري

فأرعد ثم ابرق في وعيدي ... وقل ما شئت من خير وشرَّ [5]

وبمثل هذه الطريقة القاسية التهكمية، كان الشاعر يهجو من يتعرض له فهو لا يبتدئ بمقدمة تبتعد به عن الغرض، وإنما يبدأ به مباشرة.

(1) ينظر: المختار من شعر ابن دانيال: 8.

(2) ينظر: المختار من شعر ابن دانيال: 8.

(3) المصدر نفسه: 9.

(4) المصدر نفسه: 10.

(5) المصدر نفسه: 10.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت