ومن الدراسات التي تناولت العصر الوسيط، دراسة الشيخ علي الخاقاني في كتابه (شعراء الحلة أو البابليات) المطبوع سنة 1952 م، ومن ابرز سمات الموقف السلبي عنده ما يقع ضمن زاوية النقد التسمية التي يطلقها على هذه المرحلة (الفترة المظلمة) وما ينتج من أثر في نَفس الدارس المتلقي لأدب هذه الحقبة، وهو قد وسمها مسبقًا بالمظلمة، وبذلك يكون من الطبيعي ان يتمثل أدب هذه المرحلة عند الشيخ الخاقاني بكونهِ أدب لفظيًا خاليًا من المعاني العميقة وتتأتى هذه الرؤية النقدية في قوله: (( والأدب اللفظي هو الذي تقرأ منه الفاظًا رقيقة مرنه ولكنها خالية من المعاني العميقة والخواطر السامية وخير مصداق لهذا هو(أدب الفترة المظلمة) فقد هزلت حيوية الشعر فيها )) [1] .
ويصل به الأمر في هذه الرؤية النقدية في أدب هذه المرحلة انها لا تمثل سوى كلمات مرصوفة مكررة لا تتعدى إطار المحاكاة والتقليد، قائمة على الصناعة اللفظية وغيرها من الوان البديع، إذ يقول الخاقاني: (( فإذا قرأت ديوانًا كاملًا لأفراد هذه الفترة فلا تجد إلا أبياتًا مرصوفة موزونة مقفاة، قد تكرر المعنى الواحد فيها مئات المرات من قدًّ وخد وشمس وقمر ولكن يتميز بعض الشعراء ... بشغفهم بالصناعة اللفظية وانواع البديع من مقابلة إلى جناس إلى تورية من يتذوقها السامع لاكتسابها النبرة الموسيقية. ولقد أسرف الشعراء في هذه الفترة بتكرارها أو استعمالها من دون أن يتخطى الكثير منهم إلى رأي جديد أو خاطرة لطيفة أو ابداع في التصوير ) ) [2] .
ولعل الشيخ الخاقاني يريد من هذا الكلام، ان شعر هذا العصر لم يكن سوى صناعة لفظية لا تتضمن أي معنى جديد، ولا تعبر عن ابداع او تطور في التصوير، وانه تقليد للشعر القديم واجترار لمعانيه، واعادة هزيلة لأساليب الشعراء القدماء لا توحي بفهم جديد لطبيعة الشعر وخصائصه الفنية، ان هذه النظرة المسبقة لشعر هذا العصر نجدها تسلب منه الكثير من الخصائص التي يتميز بها شعر المرحلة الأمر الذي وقف عنده النقاد، واشادوا بما يمتلكه شاعر العصر من مواهب فنية وقدرات ابداعية.
منتهيًا إلى ان يجرد هذا الشعر من خصائصهِ الفنية فضلًا عن أي سمة من سمات الابداع أو التطور في المعنى والصورة، أو موهبة شعرية حتى إذا كان شاعر المرحلة
(1) شعراء الحلة أو البابليات: ج 1/ المقدمة ص: س.
(2) المصدر نفسه: ج 1/ص: (س) .