الصورة وصياغتها ويلتقط عناصرها من الواقع المادي الحسي وهو الذي يعيد التأليف بين هذه العناصر والمكونات لتصبح صورة للعالم الشعري الخاص بالشاعر، بكل ما فيه من مكونات شعورية ونفسية وفكرية (3) . ولقد وصف بعض الدارسين الخيال بأنه (( الملكة التي تخلق وتبث الصورة الشعرية ) ) (4) .
ومثال على ذلك قول مريم عندما بلغ كبر السن بها (5) :
تدب دبيب الطفل تسعى الى العصا ... وتمشي بها مشي الاسير المكبل
حيث انتزعت صورتها الأدبية من الواقع، حيث شبهت نفسها بالطفل في خطواته الأولى للسير وبالاسير المقيد الذي يكون حذر السير بسبب القيود. فجاء خيال الشاعرة واضحا"بسيطا"لا غموض فيه ولا تعقيد يدركها المتلقي دون عناء، وهذا ما تميزت به شواعر الأندلس ومن جانب اخر فان خيالها برز على نحو واضح من غرض الغزل، حيث ارتبطت عاطفتها في هذا الغرض بخيالها لتشكل صورًا شعرية بالغت الشواعر في رسمها، ومن ذلك قول ولادة بنت المستكفي في الغزل وهي تستنطق خيالها فيه بقولها (6) :
وقد كنت اوقات التزاور في الشتا ... ابيت على جمر من الشوق محرق
رسمت صورتها الشعرية تصويرا"جميلا"ففي هذا البيت رسمت الشاعرة صورتها الشعرية بخيالها وعاطفتها الوجدانية فشكلت من ذلك صورة التزاور ايام الشتاء ودفء اللقاء بين المحبين.
واذا انتقلنا الى نزهون نجدها تقول (1) :
ابصرت شمس الضحى في ساعدي قمر ... بل ريم خازمة في ساعدي أسد
نقلتنا بخيالها بما صورته بانها شمس بين احضان القمر، حيث شبهت نفسها بالشمس للتعبير على جراءة الشوق وجعلت حبيبها القمر الذي يدل على الهدوء والسكون. وبأنها غزال خجول بين احضان الأسد القوي عند افتراس فريسته.
وان جراءة المرأة الأندلسية، وعدم المبالاة واختلاطها مع الرجال في مجالس الانس ساعدها على توسيع افق خيالها، وكذلك تمتعها بالثقافة والادب، واهتمامها بالجوانب الثقافية والتفكير بعاطفتها وتفاعلها مع الخيال، كلها امور كانت تساعد على ابراز خيالها الشعري، الذي كنا نلحظ فيه البساطة والالفة وانه منتزع من صور واقعية حقيقية.
(1) الحياة الادبية في الاندلس: 48
(2) ... ينظر شعرها في فصل التحقيق رقم (11)
(3) ... ينظر عن بناء القصيدة العربية الحديثة: 78
(4) ... الصورة الشعرية: 73
(5) ... ينظر شعرها في فصل التحقيق رقم (76)
(1) ينظر شعرها في فصل التحقيق رقم (97)