وإنما قيل بأنه يستلزم ظن بقائه لأربعة أوجه:
الوجه الأول: أن الإجماع منعقد على أن الإنسان لو شك في وجود الطهارة ابتداءً لا تجوز له الصلاة، ولو شك في بقائها جازت له الصلاة، ولو لم يكن الأصل في كل متحققًا دوامه للزم إما جواز الصلاة في الصورة الأولى، أو عدم الجواز في الصورة الثانية، وهو خلاف الإجماع [1] .
الوجه الثاني: أن العقلاء من الخاصة والعامة اتفقوا على أنهم إذا تحققوا وجود الشيء أو عدمه، وله أحكام خاصة به، سوغوا ترتيب تلك الأحكام عليه في المستقبل من زمان ذلك الأمر، حتى إن الغائب يراسل أهله ويراسلونه، بناء على العلم بوجودهم ووجوده في الماضي، وينفذ إليهم الأموال وغير ذلك بناء على ما ذكر، ولولا أن الأصل بقاء ما كان على ما كان لما ساغ لهم ذلك [2] .
الوجه الثالث: أن ظن البقاء أغلب من ظن التغير، وذلك لأن الباقي لا يتوقف على أكثر من وجود الزمان المستقبل، ومقارنة ذلك الباقي له كان وجودًا أو عدمًا، وأما التغير فإنه يتوقف على ثلاثة أمور: وجود الزمان المستقبل، وتبدل الوجود بالعدم، أو العدم بالوجود، ومقارنة ذلك الوجود أو العدم لذلك الزمان، ولا يخفى أن تحقق ما يتوقف على أمرين لا غير أغلب في الظن مما يتوقف على ذلك الأمرين مع ثالث غيرهما [3] .
الوجه الرابع: أن البقاء مستغن عن المؤثر، والحادث مفتقر إليه، والمستغني عن المؤثر راجح الوجود بالنسبة إلى المفتقر إليه، وإنما قلنا بأن الباقي مستغن عن المؤثر لأنا لو فرضنا له مؤثرًا فذلك المؤثر إما أن يقال إنه صدر عنه أثر أو لم يصدر عنه أثر، والثاني محال لأن فرض المؤثر بدون الأثر متناقض، وأما الأول فأثره إما أن يكون شيئًا ما كان موجودًا، أو كان موجودًا، فإن قلنا إنه ما كان موجودًا كان الأثر حادثًا لا باقيًا، وإن قلنا إنه كان موجودًا كان ذلك تحصيلًا للحاصل، وهو محال، فثبت أن الباقي مستغن عن المؤثر، وإنما قلنا إن الحادث مفتقر إليه لأن إجماع المسلمين. بل إجماع جمهور العقلاء منعقد عليه [4] .
(1) انظر الإحكام للآمدي 4/ 127 - 128، وكشف الأسرار 3/ 664 - 665، والتحرير 522.
(2) انظر الإحكام للآمدي 4/ 128، والتحرير 522، وشرح مختصر الروضة 3/ 150، والمحصول 6/ 165، وشرح العضد 2/ 285.
(3) انظر الإحكام للآمدي 4/ 128.
(4) انظر المحصول 6/ 148 - 149، والإحكام للآمدي 4/ 128 - 129، والإبهاج 3/ 184 - 185.