فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 81

وأما الدليل على أن الظن حجة متبعة في الشرعيات فمن وجوه:

الأول: قوله صلى الله عليه وسلم:"نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر" [1] .

الثاني: أنه لو لم يجب العمل بالظن للزم من ذلك جواز ترجيح المرجوح على الراجح في بديهة العقل، وهو غير جائز بالاتفاق [2] .

الثالث: أن العمل بالقياس، وخبر الواحد، والشهادة، والفتوى، وسائر الظنون المعتبرة إنما وجب ترجيحًا للأقوى على الأضعف، وهذا المعنى قائم في صورة الاستصحاب، فيلزم ثبوت الحكم هاهنا أيضًا ووجوب العمل به [3] .

3 -أن استصحاب الحال من لوازم بعثة الرسل، وبعثة الرسل حق، فلازمها يجب أن يكون حقًا.

أما أن استصحاب الحال من لوازم البعثة، فلأن الرسالة لا تثبت إلا بعد ظهور المعجز، وهو الأمر الخارق للعادة، والعادة هي اطراد وقوع الشيء دائمًا، أو في وقت دون وقت، فالأول كدوران الشمس والنجوم في أفلاكها، كما في قوله تعالى: (وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ) [4] ، والثاني كطلوعها من المشرق وغروبها في المغرب، وكوقوع المطر في الشتاء، وزيادة نيل مصر في أيامه، وأشباه ذلك، حتى لو قال قائل: دليل نبوتي أن الشمس لا تطلع اليوم من المشرق، أو أنها لا تغرب في المغرب، بل تجول في أطراف الفلك، ونحو ذلك، فوقع الأمر كما قال لدل ذلك على صدقه، وما ذاك إلا لانخراط العادة المطردة على يديه [5] .

وإذا ثبت ذلك فلو لم يكن الاستصحاب حجة لما كان انخراط العوائد على أيدي الأنبياء حجة، لجواز أن تتغير أحكام العوائد وأحوالها، فلا يكون الخارق للعادة أمس خارقًا لها اليوم، فلا يكون الأصل بقاء ما كان من كونه خارقًا على ما كان، لكن لما رأينا انخراط العوائد حجة للأنبياء دل على أن استصحاب الحال حجة، لأنا نقول: قد عهدنا في اطراد العادة أن الشمس تطلع كل يوم من المشرق، والأصل بقاء ذلك على ما كان، فهي في هذا اليوم تطلع من المشرق ونجزم بهذا

(1) انظر المحصول 6/ 151، وهذا الحديث يتردد في كتب الأصوليين كثيرًا، وليس له أصل معروف، قال ابن كثير (ت 774 هـ) :"كثيرًا ما يلهج به أهل الأصول، ولم أقف له على سند، وسألت عنه الحافظ أبا الحجاج المزي، لكن له معنى في الصحيح وهو قوله صلى الله عليه وسلم: إنما أقضي بنحو ما أسمع"، وقد أورد ابن كثير أثرًا عن عمر يدل على صحة هذا المعنى. انظر تحفة الطالب 1/ 174 - 175، كما نقل الحافظ ابن حجر (ت 852 هـ) ، والذهبي (ت 748 هـ) ، وغيرهم عن عدد من العلماء أنهم استنكروه وصرحوا بأنه لا أصل له، وإنما هو من كلام بعض السلف، كالإمام الشافعي وابن عبد البر اللذين نقل عنهما عبارات قريبة من هذا النص المتداول اعتبارا بقول النبي صلى الله عليه وسلم:"إنما أقضي على نحو ما أسمع"، وقد وهم بعض العلماء فجعله بهذا اللفظ حديثًا مرفوعًا. انظر تلخيص الحبير 4/ 192، وخلاصة البدر المنير 2/ 432، والإبهاج 3/ 187، ونيل الأوطار 1/ 369، وإرشاد الفحول 54.

(2) انظر المحصول 6/ 151.

(3) المصدر السابق 6/ 151.

(4) سورة إبراهيم آية 33.

(5) انظر مختصر الروضة 3/ 150 - 151.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت