وبه قال بعض أصحاب الشافعي [1] ، واختاره جماعة من المتكلمين [2] ، كأبي الحسين البصري (ت 436 هـ) [3] ، ونسبه الباجي (ت 474 هـ) إلى أبي تمام البصري [4] ، من المالكية [5] ، ورجحه الكمال ابن الهمام (ت 861 هـ) من الحنفية [6] ، والسمعاني (ت 489 هـ) من الشافعية [7] .
أدلة هدا القول:
استدل أصحاب هذا القول بما يأتي:
1 -أن المستدل بالاستصحاب إن شرك بين الحالتين [الماضي والحاضر] في الحكم لاشتراكهما في الدليل المثبت له فليس ذلك من قبل الاستصحاب، وإنما هو من باب تنزيل الحكم على محله، وإن شرك بينهما في الحكم لاشتراكهما في علته فهذا من باب القياس، وهو غير الاستصحاب ولاشك، وإن شرك بينهما بغير دلالة ولا علة فليس الجمع بينهما بأولى من عدمه، ثم إن هذا قياس بغير علة، وهو غير جائز عند من يقول بالقياس من المخالفين، وأولى بعدم الجواز عند من ينكر القياس بعلة [8] .
ويمكن أن يناقش هذا الدليل بالقول: إننا لا نسلم لكم أن التشريك بين الحالتين بغير دلالة ولا علة ليس بأولى من عدمه، بل نقول إنه أولى، لأنه معتضد بالأصل وهو استدامة الحال، وبقاء ما كان على ما كان.
2 -أن استصحاب الحال كاسمه وهو:"التمسك بالحكم الذي كان ثابتًا إلى أن يقوم الدليل المزيل"، وفي إثبات الحكم ابتداء لا يوجد هذا المعنى، فلا وجه لاستصحاب الحال فيه من حيث الصورة ولا من حيث المعنى، وذلك لأنه غاية ما يفيده الاستصحاب ثبوت العدم -أي عدم الدليل المغير- وثبوت العدم وإن كان بدليل معدم فذلك لا يوجب بقاء العدم، كما أن الدليل الموجد للشيء لا يكون دليل بقائه موجودًا، فكذلك الدليل المثبت للحكم لا يكون دليل بقائه ثابتًا، وذلك كمثل عدم الشراء فإنه لا يمنع وجود الشراء في المستقبل،
(1) انظر كشف الأسرار 3/ 662، والتقرير والتحبير 3/ 386.
(2) انظر الإحكام للآمدي 4/ 127، والإبهاج 3/ 183، وشرح تنقيح الفصول 447، وشرح مختصر الروضة 3/ 148، والمحصول 6/ 148، وتقريب الوصول 393، والتقرير والتحبير 3/ 386.
(3) انظر المعتمد 2/ 325 - 327.
(4) هو علي بن محمد بن أحمد البصري المالكي، من أصحاب أبي بكر الأبهري، كان جيد النظر حاذقًا بالأصول، ومن مؤلفاته: مختصر في الخلاف سماه:"نكت الأدلة"، وكتاب آخر في الخلاف كبير، وكتاب في أصول الفقه. انظر ترتيب المدارك 4/ 605، والديباج المذهب 1/ 199.
(5) انظر إحكام الفصول 694.
(6) انظر التحرير 522.
(7) انظر قواطع الأدلة 2/ 39.
(8) انظر المعتمد 2/ 325 - 326، وقواطع الأدلة 2/ 37.