وقد أراد معاوية امتحان قلوب بعض رجال الإمام علي - عليه السلام - وتلامذته فأشار عليه
عمرو بن العاص أن يقرب ابا الاسود الدؤلي ليتقي لسانه بين الناس، فأرسل معاوية إلى ابي الاسود فجاءه، فقال معاوية: خلوت أنا وعمرو وتناجزنا في اصحاب محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - وقد أحببت أن اكون من رأيك على يقين. قال: سَل عما بدا لك. فقال معاوية: يا ابا الأسود أيهم كان احب إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -؟ فقال: أشدهم حبًا لرسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - واوقاهم له بنفسه، فنظر معاوية إلى عمرو وحرك رأسهُ ثم قال فأيهم كان افضل عندك؟ قال: أتقاهم لربه، واشدهم خوفًا لدينه. فأغتاض معاوية على عمرو، ثم قال: فأيهم كان اعلم؟ قال: اقولهم للصواب، وافضلهم للخطاب. قال معاوية: فأيهم كان اشجع؟ قال: اعظمهم بلاء واحسنهم عفاءًا واصبرهم على اللقاء، قال معاوية: فأيهم كان أوثق عنده؟ قال: من أوصى إليه فيما بعده، فأقبل معاوية على عمرو وقال: لاجزاك الله خيرًا، هل تستطيع أن ترد مما قال شيئًا؟ فقال ابو الاسود: إني قد عرفت من أين أتيت فهل تأذن لي فيه. قال: نعم، فقال ابو الاسود، إن عمرو هجى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بأبيات، فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - اللهم إني لااحسن قول الشعر فألعن عمرو بكل بيت لعنة، أتراه بعد هذا نائلًا فلاحًا، او مدركًا رباحًا؟ فهدده عمرو وتوعده، فخرج ابا الاسود غير مبالٍ به وهو ينشد [1] :
الا أن عمرو رام ليثُ خفيةً ... . ... وكيف ينال الكلب ليثٌ عرين ... .
وقال معاوية يومًا لأبي الاسود: بلغني ان عليًا، اراد أن يجعلك احد الحكمين (بدلًا من ابي موسى) فما كنت تحكم؟ قال: لو جعلني احدهما لجعلت الفًا من المهاجرين وابناءهم والفًا من الانصار وابناءهم، ثم ناشدتهم الله اعليًا اولى بهذا الامر؟ أم الطلقاء؟، فقال معاوية: لله ابوك أي حكم انت؟ [2] ، وسأله زياد
(1) ينظر: ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، 7/ 104 - 106؛ الاميني، الغدير، 2/ 147 - 148؛ الميانجي، مواقف الشيعه،2/ 381 - 384؛ الشاكري، الاعلام من الصحابه والتابعين، 1/ 108
(2) ينظر: ابن عبد ربه، العقد الفريد، 4/ 319 - 324؛ ابن الدمشقي، شمس الدين ابو البركات (ت 871 هـ/1466 م) :جواهر المطالب في مناقب الامام علي ابن ابي طالب، قم (ط 1 - 1996) ، 2/ 53 - 54؛ السيوطي، تاريخ الخلفاء، تحقيق محمد محي الدين، مصر، مطبعة السعادة (ط 1 - 1963) ، 201.