فكان لهم عامة أدوارًا خلّدها التاريخ، وبرز منهم جماعة كابي الأسود الدؤلي الذي كان زاهدا لدرجة وصف معها بالبخل والتقتير على نفسه، فقد دخل يومًا على المنذر بن الجارود [1] وعليه جبة رثة كان يكثر لبسها، فقال له المنذر: يا أبا الأسود أما تملّ هذه الجبّة؟ فقال: ربّ مملوك لا يستطاع فراقه! فضحك المنذر بن الجارود وأمر له بمكافأة، فشكره أبو الأسود ومدحه بقوله: [2]
كساني ولم استكسه فحمدته ... . ... أخ لك يعطيك الجزيل وناصر ... .
وان أحق الناس إن كنت شاكرًا ... . ... بشكرك من أعطاك والعرض وافر ... .
في حين نجد روايات أخرى تناقض ذلك القول (بخل أبي الأسود) ومنها إن أبا الأسود سمع سائلًا ينادي ليلًا: ألا من يطعم الجائع؟، فاحضره إلى داره واتاه بعشاء وافر، وقال له: كل حتى تشبع، إلا انه رأى منه أمرًا فارتاب منه، فلما فرغ من الآكل أراد أن يخرج فمنعه أبو الأسود وكبّله وقال: لا ادعك الليلة تؤذي المسلمين فإذا أصبحت أنصرف. [3]
وهذه الحادثة توحي بعدم بخله أولًا إذ قام بإحضار السائل من طواعية مع إن السائل لم يطلب ذلك من أبي الأسود بالتحديد، وحينما ادخله داره جاءه بطعام وافر مع أن أبا الأسود كان من الزاهدين بذلك على نفسه وهذا يوحي بإكرامه لضيفه، وفضلًا عن ذلك ولعل الأهم في الرواية هو حرصه على مصلحة المسلمين وخوفه من تعرضهم للأذى بصورة أو بأخرى من ذلك الشخص.
(1) المنذر بن الجارود واسمه بشر بن عمرو بن خنيس العبدي أمير من أجواد العرب ولد في عهد النبي ولاه الإمام علي اصطخر ثم عزله توفي سنة 61هـ / 681م. (ابن خلكان، وفيات الأعيان: 1/ 487؛ ابن حجر، الإصابة: 1/ 553؛ الزركلي، الأعلام: 7/ 292.
(2) ابن خلكان، وفيات الأعيان: 2/ 539.
(3) ابن قتيبة، عيون الأخبار: 2/ 31؛ ابن عبد ربه، العقد الفريد: 6/ 185؛ الدميري، حياة الحيوان: 1/ 359.