ولم يترك أبو الأسود مخالطة الناس والصلاة معهم، وكان حريصًا على معرفة أخبارهم ومشاركته لهم في سائر أمورهم حتى انه حرص على حضور المسجد على الرغم من ضعفه وهرمه في أخر أيام عمره. [1]
وقد عُرف عن أبي الأسود الصبر والحلم والتحمّل الغير محدود لمن خالفه الرأي أو أساء إليه القول رغم مقدرته على سرعة الجواب اللاذع (بشهادته نفسه) حيث يقول: [2]
فان لساني ليس اهون وقعة ً ... . ... واصغر اثارًا من النحت بالفاسِ ... .
وقد كان أبو الأسود الدؤلي أديبًا في ردوده لمن هجاه أو نال منه حتى وصفت بأنها (تكاد تكون مقبولة حتى للمهجو نفسه مع بلاغتها وعمق معانيها) ،فقد قال في رجل: [3] ...
يصيب وما يدري ولا يدري ما خطا ... . ... وكيف يكون الحمق إلا كذاكا ... .
إما أبا ذر الغفاري فجدير بان يوصف بأنه قائد الثورة الاجتماعية الأولى في العصر الإسلامي، وله بهذا المجال روايات كثيرة، فقد كان بمستوى رفيع من نكران الذات وتقديم حوائج الآخرين على حاجاته والعمل على قضائها في مختلف المجالات مبتدأً بأبسط الأمور، فقد ذكر ابن سعد انه كان لأبي ذر غُنيمة كان إذا احتلبها بدأ بجيرانه فأن بقي شي اطعم عياله، حتى أن ضيوفًا طرقوه ليلًا ولم يكن في بيته سوى تمرات قليلة، فقدمها لهم واعتذر لهم معلما إياهم انه ليس لديه سواها شيء، وإلا لقدمه لهم مهما كان، وبات عياله ثاوين. [4]
فقد كان أبو ذر جوادًا كريمًا لا يبقي شيئًا إذا ملكه قيل انه صارت لديه ابل فنزله ضيوف وكان له غلام فقال له: اني مشغول فاخرج واتي بخير ابلي، فذهب فجاء بناقة مهزولة! فقال ابا ذر: خنتني في هذه! فقال الغلام: إني
(1) أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني:12/ 351.
(2) الأمين، مستدركات أعيان الشيعة، بيروت، دار التعارف للنشر، ط2 - 1997:1/ 62.
(3) م. ن: 1/ 62 - 63؛ ابن منظور، لسان العرب: 14/ 254.
(4) ابن سعد، الطبقات: 4/ 232 - 233.