تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} (سورة الشورى، الآية: 38) ، ضمانًا لسعادة الأسرة وتماسكها وترابطها ونجاح العلاقة بين أفرادها وحرصًا للحفاظ عليها، إذ قد كانت الشورى مفضيةً إلى الرشد والصواب، وهذا من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام [1] .
قال ابن عاشور:"والشورى مما جبل لله عليه الإنسان في فطرته السليمة، أي: فطره على محبة الصلاح، وتطلُّب النجاح في المساعي" [2] *، قال تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} (سورة آل عمران، الآية: 159) ، وقد دلت الآية على أن الشورى مأمور بها الرسول ــــــ صلى الله عليه وسلم ـــــــ فيما عبر عنه بـ (الأمر) ، فتعيَّن أن المشاورة المأمور بها هنا هي المشاورة في شؤون الأمة ومصالحها، وقد أمر الله بها هنا ومدحها في ذكر الأنصار في قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} الشورى:38)، واشترطها في أمر العائلة فقال: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} (البقرة: 233) ، فشرع بهذه الآيات المشاورة في مراتب المصالح كلها: وهي مصالح العائلة، ومصالح القبيلة أو البلد،
(1) انظر: ابن عاشور، التحرير والتنوير، مرجع سابق، 25>112، و ابن عطية، أبو محمد عبد الحق الأندلسي المحاربي، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محمد، ط 1 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1422 هـ) ، 1>534.
(2) ابن عاشور، التحرير والتنوير، مرجع سابق، 4>150.
* ولذلك قرن الله تعالى خلق أصل البشر بالتشاور في شأنه إذ قال للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة [البقرة: 30] ، إذ قد غني الله عن إعانة المخلوقات في الرأي ولكنه عرض على الملائكة مراده ليكون التشاور سنة في البشر ضرورة أنه مقترن بتكوينه، فإن مقارنة الشيء للشيء في أصل التكوين يوجب إلفه وتعارفه، ولما كانت الشورى معنى من المعاني لا ذات لها في الوجود جعل الله إلفها للبشر بطريقة المقارنة في وقت التكوين. ولم تزل الشورى في أطوار التاريخ رائجة في البشر فقد استشار فرعون في شأن موسى- عليه السلام- فيما حكى الله عنه بقوله: فماذا تأمرون [الأعراف: 110] . واستشارت بلقيس في شأن سليمان- عليه السلام- فيما حكى الله عنها بقوله: قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون وإنما يلهي الناس عنها حب الاستبداد، وكراهية سماع ما يخالف الهوى، وذلك من انحراف الطبائع وليس من أصل الفطرة، ولذلك يهرع المستبد إلى الشورى عند المضائق، المرجع السابق،4>150.