قال ابن عاشور، حين تكلم على مقصد الإسلام من الأمر ببرِّ الوالدين وبصلة الرحم:"والمقصد الثاني عمراني، وهو أن تكون أواصر العائلة قويةَ العرى مشدودةَ الوثوق، فأمر بما يحقق ذلك الوثوق بين أفراد العائلة، وهو حسن المعاشرة ليتربَّى في نفوسهم من التحابُّ والتوادُّ" [1] .
فالإسلام مهد لأسباب الألفة ووسائل حسن المعاشرة، وشيد صرح المحبة بين أفرادها بتأسيس حقوق معلومة وحذر من هدم الأسرة، وحث على تماسكها، ونفر من زعزعة أركانها، وانفصام عراها.
اللحوق في النسب هو ثبوت نسب الولد، ومن الحقوق التي لا ينازع فيها، أن ينسب الولد إلى أبيه [2] ، وأن من أنكر نسب أبيه أدى به ذلك إلى الوقوع في المعصية، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
«مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ، فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ» [3] .
ولا يدخل في الوعيد من اشتهر بالنسبة إلى غير أبيه، وإنما المراد به من تحول عن نسبته لأبيه إلى غير أبيه عالمًا عامدًا مختارًا، وكانوا في الجاهلية لا يستنكرون أن
(1) ابن عاشور، التحرير والتنوير، مرجع سابق، 15>68.
(2) السرخسي، والمبسوط، مرجع سابق، 5>29، والرملي، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، مرجع سابق، 5>382، والبهوتي، كشاف القناع عن متن الإقناع، مرجع سابق، 5>408، و محمد عليش، منح الجليل شرح مختصر خليل، مرجع سابق، 8>158.
(3) صحيح البخاري، كتاب الفرائض، باب من ادعى إلى غير أبيه، مرجع سابق، 8>156، رقم الحديث: 6766، و صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم، مرجع سابق، 1>80، رقم الحديث: 63.