وقد ذكر الإمام القرافي في"الفروق"الفرق الثامن والخمسون بين قاعدة المقاصد وقاعدة الوسائل فيقول:"موارد الأحكام على قسمين: مقاصد وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها، ووسائل وهي الطرق المفضية إليها وحكمها حكم ما أفضت إليه من تحريم وتحليل، غير أنها أخفض رتبة من المقاصد في حكمها، والوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل") [1] (.
إن بناء الأسرة المسلمة من مقاصد النكاح، ولقد اهتم الإسلام ببناء الأسرة اهتمامًا بالغًا، وإن الأمة المسلمة يتوقف وجودها ونجاحها على الأسرة المسلمة المجتهدة والصالحة والناجحة التي تسير وفق شريعة الله.
و من ثَمّ فقد اعتنى الإسلام منذ بزوغ فجره بالتفكير في تكوين الأسرة، وحفظها واستمر في هذا الاهتمام حتى تحقق لها الاستقرار التام والسعادة الحقيقية، وذلك عن طريق تشريع الأحكام التي تتبع المصلحة، وتتناسب تمامًا مع هذا البناء، والأدلة على ذلك:
أولًا: ورود أحكام الأسرة في القرآن مفصلة بشكل لا يدع مجالًا للاجتهاد العقلي
لقد وردت أحكام العبادات في القرآن إجمالًا، وترك أمر بيانها للنبي ـــ صلى الله تعالى عليه وسلم ـــــ، لكن الأسرة قد ذكرت أحكامها تفصيلًا من وقت بنائها
(1) القرافي، أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس المالكي، أنوار البروق في أنواء الفروق، (الناشر: عالم الكتب) ، 2>32.