فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 164

المهر بنفس العقد لما يجري بين الزوجين من الأسباب التي تحمل الزوج على الطلاق من الوحشة والخشونة، فلو لم يجب المهر بنفس العقد لم يبال الزوج بإزالة هذا الملك بأدنى خشونة تحدث بينهما؛ لأنه لا يشق عليه إزالته لما لم يخف لزوم المهر، فلا تحصل المقاصد المطلوبة من النكاح؛ ولأن مصالح النكاح ومقاصده لا تحصل إلا بالموافقة، ولا تحصل الموافقة إلا إذا كانت المرأة عزيزة مكرمة عند الزوج، ولا عزة إلا بانسداد طريق الوصول إليها إلا بمال له خطر عنده؛ لأن ما ضاق طريق إصابته يعز في الأعين فيعز به إمساكه، وما يتيسر طريق إصابته يهون في الأعين فيهون إمساكه، ومتى هانت في أعين الزوج تلحقها الوحشة، فلا تقع الموافقة فلا تحصل مقاصد النكاح [1] .

لكن هذا التكريم والاعتناء والعزّ، يجب أن لا يتحول إلى نوعٍ من التعجيز، أو الصدِّ عن بناء وتكوين الأسرة، وإقامة شعيرة الزواج بأن نُغالي في المهور، ونُوقف بناء الأسرة المسلمة على معانٍ ماديةٍ فانيةٍ، فأرخصُهنَّ مهورًا، أكثرهن بركةً وأكرمهنَّ.

ومن الجدير بالذكر أن الإسلام قد حثّ على قلّة المهر، وعدم المغالاة فيه [2] ، ويستحب أن يتحرى الرجل فيمن ينكحها أن تكون أيسر النساء خطبة ومؤنة، وأن تكون

(1) انظر: الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، مرجع سابق، 2>275.

(2) اتفق الفقهاء على أنه لا حدّ لأكثر المهر لقوله تعالى: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} (النساء: 20) ، في الآية دليل على جواز المغالاة في المهور، قال ابن عاشور: والقنطار هنا مبالغة في مقدار المال المعطى صداقا أي مالًا كثيرًا، كثرة غير متعارفة، وهذه المبالغة تدل على أن إيتاء القنطار مباح شرعًا؛ لأن الله لا يمثل بما لا يرضى شرعه مثل الحرام، وذكر قصة عمر، وفيها قوله أصابت امرأة وأخطأ عمر، انظر: التحرير والتنوير، 4>289.

وأمّا أقل المهر فقد اختلفوا فيه على أقوال:

قول الحنفية:" (أقله عشرة دراهم) لحديث البيهقي وغيره «لَا مَهْرَ أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ» ، ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار (حاشية ابن عابدين) ، مرجع سابق، 3>101."

قول الشافعية:"وليس لأقل الصداق ولا لأكثره حد، بل ضابطه كل ما صح كونه مبيعا عوضًا أو معوضًا صح كونه صداقًا، وما لا فلا"، شمس الدين، محمد بن أحمد الخطيب الشربيني، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، تحقيق: مكتب البحوث والدراسات - دار الفكر، (بيروت: دار الفكر) ، 2>424.

قول المالكية:" (وأقل الصداق) بفتح الصاد وكسرها أي أقل ما يصح به العقد إما (ربع دينار) من الذهب الخالص، وهو وزن ثمان عشرة حبة من الشعير الوسط، وإما ثلاثة دراهم من خالص الفضة كل درهم خمسون حبة وخمسا حبة، و ولا حد لأكثره اتفاقا لقوله تعالى: {وآتيتم إحداهن قنطارا} (النساء: 20) ، أبو الحسن, علي بن أحمد بن مكرم الصعيدي العدوي، حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني، تحقيق: يوسف الشيخ محمد البقاعي، (بيروت: دار الفكر، 1414 هـ - 1994 م) ، 2>41."

قول الحنابلة:"أن الصداق غير مقدر، لا أقله ولا أكثره، بل كل ما كان مالا جاز أن يكون صداقا"، ابن قدامة، المغني، 7>210.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت