وغلب على ظننا أنه لو كان لهم فهم آخر فيها لنقل إلينا، لا يمكن أن يكون باطلا؛ لأن في اعتقاد بطلان فهم السلف للقرآن لازما فاسدا، وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توّفي وما أتمَّ بلاغ الدين؛ إذ إن بيان القرآن إحدى أعظم واجبات الرسالة التي ُ كلِّف النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - بها من ربه عزّ وجَلّ، كما قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44] ، فكيف يجتمع اعتقاد أن النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قد أدّى الأمانة وبلّغَ الرسالة مع اعتقاد أن الأمة كلها جهلت شيْئًا مما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ببيانه؟! وكيف يجتمع اعتقاد حفظِ الدين مع اعتقاد أن ما بلّغه النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يُحفظ .. لا مرفوعا ولا موقوفا؟!
وكما أن لأقوال السلف في التفسير هذه المكانة، فإن المكانة الأكبر هي لمنهجِ السلف في التفسير، فهو حجةٌ مطلقا، لا يجوز الخروج عليه بنقصٍ منه أو زيادةٍ عليه (1) . والتزام منهجهم في فهم القرآن أوجب الواجبات في هذا الباب؛ لأن منهجهم إجماعيّ لا يجوز فيه احتمال الخطأ أو الضياع؛ إلا باعتقادٍ باطلٍ من نمط ما ألمحنا إليه آنفا وأشنع. فالزيادة على منهجهم مردودة: كتأويل الآية بقرينة يُدّعى أنها عقلية (وليست كذلك) ، أو اللجوء إلى حساب الجُمَّل لاستخراج معنى خفي، أو إلى عَدّ الأحرف والآيات، ونحو
= للمرداوي الحنبلي (4/ 1638 - 1647) .
(1) وبذلك رد الإمام الشاطبي على بعض أقوالِ سهلٍ التسْتَرِي التفسيرية، التي جرى فيها على التفسير الإشاري، وختم ردّه عليه بقوله: «والدليل على ذلك أنه لم يُنقل عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين تفسير للقرآن يماثله أو يقاربه. ولو كان عندهم معروًفا ل?نقل؛ لأ?م كانوا أحرى بفهم ظاهر القرآن وباطنه، باتفاق الأئمة، ولا يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أوّلها، ولا هم أعرف بالشريعة منهم» (الموافقات للشاطبي(4/ 248) .