كل كلمة لم يكن إدراك معناها اللغوي بَدَهِيّا لدى الدارس. فالماء والهواء والجبل والشجر ألفاظ لا يجهلها إلا غير العربي إلى اليوم، فهذه لا نحتاج إلى دراستها غالبا؛ لشدة وضوح معناها. وإن كان الحذر واجبا حتى مع أمثال هذه الألفاظ؛ إذ قد يكون لها معنى آخر سوى ذلك المتبادر إلى الذهن، ولو كان الأصل بُعده. ويعرف وجوب تأكيد هذا التحذير كلُّ من عرف سعة لغة العرب، ومن عرف بُعْدنا الكبير عن معينها الثرّ.
وبعد تعيين تلك الكلمات التي تحتاج أن تُدرس، بناءً على سبب الاختيار المذكور آنفا، ننتقل إلى:
المرحلة الثانية: محاولة معرفة أصلِ المعنى اللغوي للكلمة، وهو المعني الذي انبثقت منه بقية معانيها الأخرى، أو المعنى الذي تجتمع في أصله كل معانيها المستعارة.
وأهمية هذا الإدراك للمعنى الأصلي للكلمة تأتي من جهاتٍ عدّة، منها:
أنه يُعمِّق فهمنا للكلمة العربية، ليعيننا هذا العمْق على إدراك معناها المستعار في سياقها الذي جاءت فيه إدراكا دقيقا. وهذا الإدراك الدقيق للمعنى اللغوي للكلمة هو الأداة الصحيحة لمعرفة الصواب في معناها ولترجيحه في ذلك السياق الخاص على غيره من المعاني المشتقّة لها، وسيكون من أكبر ما يُعِين على معرفة الراجح عند اختلاف العلماء فيها.
كما أن ذلك الإدراك العميق للمعنى الأصلي للكلمة مفتاح مهمّ من مفاتيح المناقشةِ والمخاَلفةِ العلمية والترجيحِ في باب اللغة، وفي باب بيان المعاني اللغوية للكلمة بالأخص، ذلك الباب الذي يظن كثير من الباحثين أنه مطلقا باب تَلقٍّ كامل وتقليدٍ محض، وأنه لا مجال البتّة للاجتهاد فيه، غافلين عن أن بعض