الاختلافِ الحقيقي الذي وقع بين اللغويين وأئمة العربية في هذا الباب نفسه، وأن ما جرى لهم من تخطيء بعضهم بعضا في ذلك، والذي قد يصل إلى حدّ التهمة في صحة النقل = يدل ذلك كله على أنهم ربما اجتهدوا في تفسير اللفظة العربية، وأن تفسيرهم للألفاظ ليس كله نقلا عن العرب المحتجّ بلغتهم، بل إنهم ربما اجتهدوا فوقع منهم الخطأ في اجتهادهم (1) . وهذا كله
(1) وهذا أمرٌ مشهور معلوم، فليس كل ما فسّره أئمة اللغة من معاني الكلمات مأخوذا عن العرب المحتجّ بلغتهم، بل منه ما يستنبطونه بالاجتهاد. ومن ذلك قول أبي منصور الأزهري (ت 370 ه) في تهذيب اللغة (1/ 31) عن ابن قتيبة (ت 276 ه) : «وما رأيتُ أحدًا يدفعه عن الصدق فيما يرويه عن أبي حاتم السجزي والعباس بن الفرج الرياشي، وأبي سعيد المكفوف البغدادي. فأما ما يستبدّ في برأيٍ من معنى غامضٍ أو حرفٍ من علل التصريف والنحو مشكل، أو حرفٍ غريب، فإنه ربما زلَّ فيما لا يخفى على من له أدنى معرفة. وألفيتُه يحدس بالظنّ فيما لا يعرفه ولا يحسنه ... » ، إلى آخر نقده لغير ابن قتيبة من المصنفين في اللغة وبيان الغريب، كما فيه (1/ 34 - 40) . وذكر ابن فارس (395 ه) في كتابه الصاحبي (58) قول من قال: «ولو جاءنا جميع ما قاله العرب لجاءنا شعْر كثير وكلام كثير» . ثم أتبعه بقوله: «وأحرِ بهذا القول أن يكون صحيحا؛ لأنا نرى علماء اللغة يختلفون في كثير مما قالته العرب، فلا يكاد واحد منهم يخبر عن حقيقة ما خُولِف فيه، بل يسلك طريق الاحتمال والإمكان» .
وكم صنف العلماء كتبا في بيان خطأ من أخطأ من أئمة اللغة في تفسير بعض الكلمات، فانظر كتاب (معجم المعاجم) لأحمد الشرقاوي إقبال (86، 210 - 211، 215، 227، 238، 248، وغيرها) .
ومن ذلك كتاب ابن قتيبة (إصلاح الغلط في غريب الحديث لأبي عبيد) ، وفي بعضه تخطيءٌ منه لأبي عبيد في ذكره معنى كلمةٍ من غريب اللغة، كما فيه (رقم 30، 39، 50) .
وكذلك كتاب (التنبيه على الألفاظ التي وقع في نقلها وضبطها تصحيف وخطأ في تفسيرها ومعانيها وتحريف في كتاب الغريبين) لأبي الفضل محمد بن ناصر السلامي (ت 550 ه) ، وهو معنيّ بكتاب (الغريبين) لأبي عبيد أحمد بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن الهروي (ت 401 ه) ، ويظهر من عنوان الكتاب: أنه استدرك عليه فيه أخطاءه في تفسير الأ لفاظ وبيان المعاني. وذكر في مقدمته (116 - 118) طائفةً من كُتُبِ ردود علماءِ اللغة بعضهم على بعض.