يُوجِب على المتأخّر الترجيح بين أقوالهم بالدليل العلمي، وهذا الترجيح دخولٌ في اجتهادات هذا الباب، وهذا هو الذي يدل على أن الاجتهاد في باب تفسير اللفظة اللغوية لم يُغلق بالكلية، بل ما زال فيه مجال للاجتهاد (1) .
وقد نصّ على أحقّيّة المتأخرين من أهل العلم بأن يجتهدوا في تقرير معاني المفردات العربية، ولو بمخاَلفة أحد أئمة اللغة المصنفين، وهو ما قررتُه آنِفًا = تقيّ الدين السبكي (ت 756 ه) ، في كتابه (إبراز الحِكَم من حديث: رُفِع القلم) ، حيث قال فيه: «واعلم أن الجوهري وغيره من المصنّفين في اللغة إذا نقلوا نقلًا أخذناه مُسَلَّما مقبولا، وإذا تصرّفوا وعلّلوا، نظرنا في كلامهم، كغيرهم من المصنّفين في العلوم» (2)
وهنا تأتي أهمية التفقه في معنى الكلمة الأصلي؛ لأن ذلك أحد أوائل
= وبين يدي الآن كتابٌ طُبع مؤخّرا، هو: (نفوذ السهم فيما وقع للجوهري من الوهم) للصفدي (ت 764 ه) . ومما جاء فيه:
- (46) : «قال الجوهري: البراء: أوّل ليلة من الشهر. وقد وهم في هذا، قال ابن قتيبة: البراء آخر ليلة من الشهر» ،
- (81) : «قال الجوهري: الخِصاب: النخل الكثير الحمل، والواحدة خَصْبة. قلت: الخِصاب: نخل الدَقَل، قال الفراء والمؤرج السدوسي: والدَقَل: أردأ التمر» .
- (82) : «قال الجوهري: والدبدبة ضربٌ من الصوت. قلت هذا ما صحّفه، والصواب: الدندنة بنونين» .
(1) لا شك أن الطالب المبتدئ لن تكون عنده أهلية الدخول في هذه الأعماق، لكن لا بدّ من سعيه إلى تحصيل أهليتها، من خلال المبادرة إلى الاجتهاد المصوبِ بكلام الأئمة، ومع استمراره في التحصيل العلمي مدى الحياة. فلن يخسر هذا الطالب شيئا، ولن يقع في محظور، إن بدأ في ذلك من بداية مراحله التدريبية، ما دام مدركا لكونه متدرّبا فقط، وما دام حريصا على تصويب اجتهاده بكلام أئمة الفن.
(2) إبراز الحِكَم لتقي الدين السبكي (37) .