ويثبت اتصال الإسناد من جهتين:
الأولى: أن يصرح بالسماع من شيخه في رواية من رواياته عنه ، ويكون طريق السماع صحيحًا .
قال ابن رجب: وكان أحمد يستنكر دخول التحديث في كثير من الأسانيد ويقول هو خطأ ، يعني ذكر السماع ، قال في رواية هدبة عن حماد عن قتادة ثنا خلاد الجهني وهو خطأ ؛ خلاد قديم ما رأى قتادة خلادًا .
قال ابن رجب: وحينئذ ينبغي التفطن لهذه الأمور ولا يغتر بمجرد ذكر السماع والتحديث في الأسانيد ، فقد ذكروا أن شعبة وجدوا له غير شئ يذكر فيه الإخبار عن شيوخه ويكون منقطعا (1) ً .
وقال الإمام أحمد: في حديث زائدة عن السدي عن البهي قال: حدثتني عائشة في حديث الخمرة: كان عبد الرحمن قد سمعه من زائدة فكان يدع فيه حدثتني عائشة ونكره (2) .
والثانية: إذا لم يصرح بالسماع من شيخه اشترط أن تطول معاصرة الروابين عرفًا وألا يدل عللا
الانقطاع .
كرواية راشد بن سعد الحمصي عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يصرح بالسماع منه في شئ من رواياته عنه فقال الإمام أحمد: راشد بن سعد لم يسمع من ثوبان .
والأرجح أنه سمع منه ، وجزم به البخاري في التاريخ الكبير ، لأنه عاصره في حمص على أقل تقدير عشر سنوات ، فإنه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ثوبان إلى الشام فنزل الرملة ، ثم انتقل إلى حمص وابتنى بها دارًا ولم يزل بها إلى أن مات سنة أربع وخمسين ـ رضي الله عنه ـ ، وقد شهد راشد معركة صفين سنة سبع وثلاثين ، فالغالب أنه سمع منه لأنه من طلبة العلم وثوبان من الصحابة (3) .
قال الإمام مسلم ـ رحمه الله ـ: القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار قديمًا وحديثًا أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثًا ، وجائز ممكن له لقاءه والسماع منه لكونهما كانا في عصر واحد وإن لم يأت خبر قط أنهما اجتمعا ولا تشافها بكلام ؛ فالرواية ثابتة والحجة بها لازمة ، ألا أن يكون دلالة بينه أن هذا الرواي لم يلق من روى عنه أو لم يسمع منه شيئًا ، فأما والأمر مبهم على الإمكان الذي فسرناه فالرواية على السماع أبدًا حتى تكون الدلالة التي بينا (4) .
قال المعلمي: وجمعه بين جائز وممكن يشعر بأن المراد الإمكان الظاهر الذي يقرب في العادة ، والأمثلة الذي ذكرها مسلم واضحة في ذلك . والمعنى يؤكد هذا فإنه قد ثبت أن الصيغة بحسب العرف ، ولا سيما عرف المحدثين وما جرى عملهم في السماع ، فهذا الظهور يحتاج إلى دافع ، فمتى لم يعلم اللقاء فإن كان مع ذلك مستبعدًا والظاهر عدمه فلا وجه للحمل على السماع لأن ظهور عدم اللقاء بدافع الصيغة (5) .
قلت: وينبغي إذا نفى ناقد عالم بأخبار الرواة سماع رجل من راو عاصره ألا يرد نفيه بالمعاصرة فتدقيق من دقق في ذكر السماع إنما هو لمآخذ عدة:
فمنها: أن يكون مدلسًا . قال يحيى بن سعيد القطان: قال شعبة أو غيره: لم يسمع قتادة من حميد بن عبد الرحمن (6) .
ومنها: أن يروي أن يروي عن شيخ من غير أهل بلده ، ولم يعلم أنه دخل إلى بلده ، ولا أن الشيخ قدم إلى بلد كان الراوي عنه فيها (7) .
قال أبو حاتم: في رواية ابن سيرين عن أبي الدرداء: لقد أدركه ولا أظنه سمع منه ، ذاك بالشام وهذا بالبصرة (8) .
ومنها: أن يدخل كثيرًا بينه وبين شيخه واسطة (9) .
وقال أبو حاتم: الزهري لم يثبت له مساع من المسور ، يدخل بينه وبينه سليمان بن يسار وعروة بن الزبير (10) .
فإن في هذه الأمور مما يدل على أن ارلاوي لم يسمع ممن حدث عنه . فإذا روى عمن لم يدركه زمنًا كان ذلك دالًا على إرساله بلا شك .
ولذلك فإن من علامة كذب الراوي أن يصرح بالسماع من رجال لم يلحقهم زمنًا (11) .
وقال سفيان الثوري: لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ (12) . فإن ثبت سماعه من شيخه كان إسناده عنه متصلًا وإن لم يذكر السماع .
قال الحميدي: وإن لم يقل كل واحد ممن حدثه: سمعت أو حدثنا ، حتى ينتهي ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وإن أمكن أن يكون بين المحدث والمحدث عنه وأحد أو أكثر ، لأن ذلك عندي على السماع ؛ لإدراك المحدث من حدث عنه ، حتى ينتهي ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ولازم صحيح يلزمنا قبوله ممن حمله إلينا إذا كان صادقًا مدركًا لمن روى ذلك عنه (13) .
وقال الشافعي: وكان قول الرجل: سمعت فلانًا يقول سمعت فلانًا ، وقوله حدثني فلان عن فلان سواء عندهم ، لا يحدث واحد منهم عن من لقي إلا ما سمع منه ممن عنا بهذه الطريق قبلنا منه حدثني فلان عن فلان (14) .
وقال الخطيب البغدادي ـ رحمه الله ـ: وأهل العلم بالحديث مجمعون على أن أقول المحدث حدثنا فلان صحيح معمول به ، إذا كان شيخه الذي ذكره يعرف أنه قد أدرك الذي حدث عنه ولقيه وسمع منه ، ولم يكن هذا المحدث ممن يدلس ، ولا يعلم أن يستجيز إذا حدثه أحد شيوخه عن بعض من أدرك حديثًا فلان عن فلان ـ أعني الذي لم يسمعه منه ـ لأنه الظاهر من الحديث السالم رواية
مما وصفنا الاتصال ، وإن كانت العنعنة هي الغالبة على الإسناد (15) .
(1) شرح علل الترمذي (217ـ218) . (4) 4)
(2) المراسيل لابن أبي حاتم (188) . (1) 1)
(3) التاريخ الكبير (3/292) ، وتهذيب الكمال (4/414) . (2) 2)
(4) مقدمة صحيح الإمام مسلم (1/29،30) . (3) 3)
(5) التنكيل ( 79 ، 80 ) . (4) 4)
(6) المراسيل (140) . (2) 2)
(7) شرح علل الترمذي (217) . (3) 3)
(8) المراسيل (151) . (4) 4)
(9) شرح علل الترمذي (214) . (5) 5)
(10) المراسيل (153) . (6) 6)
(11) وانظر: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (1/131) وما بعدها . (7) 7)
(12) الكامل (1/84) . (8) 8)
(13) الكفاية (24) . (9) 9)
(14) الرسالة (379) . (1) 1)
(15) الكفاية (ص291) . (2) 2)