فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 40

وليس ذلك الاختلاف من قبل رواية بالمعنى ، فإن رواية الحديث بالمعنى جائزة بشرط معرفته لما يحيل المعاني من الحديث إن حدث بالمعنى .

قال الترمذي: فأما من أقان الإسناد وحفظه وغيّر اللفظ فإن هذا عندهم واسع إذا لم يغر المعنى (1) .

عن وائلة قال: إذا حدثناكم بالحديث على معناه فحسبكم (2) .

وقال الزهري: إذا أصبت المعنى فلا بأس (3) .

وقال ابن عون: كان القاسم بن محمد وابن سيرين ورجاء بن حيوة يحدثون الحديث على حروفه ، وكان الحسن وإبراهيم والشعبي يحدثون بالمعاني (4) .

قال أبو داود السجستاني: والاختلاف عندنا ما تفرد قوم على شئ وقوم على شئ (5) .

والاختلاف بين الرواة في الحديث الواحد إن كان ناشئًا من الراوي المختلف عنه فقد اضطرب فيه ، وفي ذلك دلالة على أنه لم يحفظه ، فيرد الحديث لأجل ذلك .

وإن كان من قبل الرواة فللترجيح بينهم فيما اختلفوا فيه طرق وقرائن ، ولكل حديث ذوق خاص (6)

، وكثيرًا ما تكون بالكثرة والإتقان .

قال الأثرم: الأحاديث إذا كثرت كانت أثبت من الواحد الشاذ ، وقد يهم الحافظ أحيانًا (7) .

وسئل الحافظ الدار قطني عن الحديث إذا اختلف فيه الثقات ، فقال: ينظر ما اجتمع عليه ثقتان فيحكم بصحته أو ما جاء بلفظة زائدة ، فتقبل تلك الزيادة من متقن ويحكم لأكثرهم حفظًا وثبتًا على من دونه (8) .

وقد يكون الاختلاف بين الرواة بزيادة في المتن أو السند .

وصورتها (9) : أن يروي جماعة حديثًا واحدًا بإسناد واحد ومتن واحد ، فيزيد بعض الرواة زيادة ـ ليست من باب التفسير ـ لم يذكرها بقية الرواة ، كزيادة راو في السند أو لفظ في المتن يوجب تقييدًا أو تخصيصًا أو زيادة صفة أو حكم (10) .

ولا فرق في الويادة بين السند والمتن (11) .

وقال الحافظ ابن حجر: والذي يجري عليه على قواعد المحدثين أنهم لا يحكمون عليه بحكم مستقل من القبول والرد ، بل يرجحون بالقرائن (12) .

وقال الترمذي: ورب حديث يستغرب لزيادة تكون في الحديث،وإنما تقبل ممن يعتمد على حفظه (13)

وقال ابن خزيمة: لسنا ندفع أن تكون الزيادة مقبولة من الحفاظ ، ولكننا نقول: إذا تكافأت الرواة في الحفظ والإتقان ، فروى حافظ عالم بالأخبار زيادة في خبر قبلت زيادته ، فإذا تواردت الأخبار فزاد ـ وليس مثلهم في الحفظ ، زيادة لم تكن تلك الزيادة مقبولة (14) .

قال ابن حجر: فحاصل كلام هؤلاء الأئمة أن الزيادة إنما تقبل ممن يكون حافظًا متقنًا حيث يستوي مع من زاد عليهم في ذلك ، فإن كانوا أكثر عددًا منه ، أو كان فيهم من هو أحفظ منه ، أو كان غير حافظ ولو كان في الأصل صدوقًا ، فإن زيادته لا تقل ، وهذا مغاير لقول من قال: زيادة الثقة مقبولة وأطلق (15) .

وقال ابن رجب: فإن كان المنفرد عن الحفاظ سيئ الحفظ فإنه لا يعبأ بانفراده ويحكم عليه بالوهم ، وإن كان المنفرد مع سوء حفظه قد سلك الطريق المشهورة والحفاظ يخالفون فإنه لا يكاد يرتاب في وهمه وخطئه ؛ لأن الطريق المشهورة تسبق إليها الألسنة والأوهام كثيرًا فيسلكه من لا يحفظ (16) . انتهى .

قلت: وقد كان من التابعين من يقصر الأسانيد ، فلا يكون ذلك من باب الاختلاف في الزيادة وعدمها .

قال البغوي: كره قوم من الصحابة والتابعين إكثار الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خوفًا من الزيادة والنقصان ، والغلط فيه ، حتى إن من التابعين من كان يهاب رفع الحديث فيوقفه على الصحابي ، ويقول: الكذب عليه أهون من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ومنهم من يسند الحديث حتى إذا بلغ به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: قال ، ولم يقل: رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ومنهم من يقول: رفعه ، ومنهم من يقول: رواية ، ومنهم من يقول: يبلغ به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وكل ذلك هيبة للحديث عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وخوفًا من الوعيد (17) . انتهى .

قلت: إذا كانت الطرق المختلفة قوية فحينئذ يتجه ما قاله البغوي ، وإن كان في بعضها ضعف فيرجح بينها . فمثال الزيادة في المتن حديث: (( استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثًا ) ) (18) .

قال الطبراني: ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثني أبي ثنا وكيع عن ابن أبي ذئب عن قارظ بن شيبة عن أبي غطفان عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (( استنشقوا مرتين ـ وزاد والأذنان من الرأس ) )وهذه الزيادة تفرد بها الطبراني ، ولعلها من أخطاء النساخ ؛ فإن أحدًا من العلماء لم ينبه عليها . وعلى كل فهي زيادة شاذة .

قال الإمام أحمد: ثنا يحيى عن ابن أبي ذئب (ح) وقال ابن أبي شيبة: ثنا وكيع وإسحاق الرازي عن ابن أبي ذئب (ح) ، وقال البخاري: وقال آدم نا ابن أبي ذئب (ح) ، وقال أبو داود: ثنا إبراهيم بن موسى ثنا وكيع عن ابن أبي ذئب (ح) ، وقال النسائي: ثنا سويد بن نصر أنبأ عبد الله عن ابن أبي ذئب (ح) ، وقال ابن ماجه: ثنا أبو بكر عن أبي شيبة عن إسحاق بن سليمان (ح) ، وثنا علي بن محمد ثنا وكيع عن ابن أبي ذئب (ح) ، وقال الحاكم: أنا بكر بن حمدان الصيرفي صنا عبد الصمد بن الفضل ثنا خالد بن مخلد ثنا ابن أبي ذئب ثنى فارظ ابن شيبة عن أبي غطفان المري عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (( استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثًا ) ). ولفظ بن أبي شيبة عن وكيع: (( استنشقوا ) ).

ومثال الزيادة في الإسناد ، حديث: (( إذا مرض العبد أو سافر ، كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا ) ) (19) .

رواه إبراهيم أبو إسماعيل السكسكي ، واختلف عليه ، فرواه العوام بن حوشب عن إبراهيم عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مسندًا ، وروها مسعر بن كدام عن إبراهيم عن أبي بردة قوله .

قال الحافظ بن حجر: مسعر أحفظ من العوام بلا شك ، إلا أن مثل هذا لا يقال من قبل الرأي ، فهو في حكم المرفوع ، وفي السياق قصة تدل على أن العوام حفظه فإن فيه: سمعت أبا بردة وأصحابه هو ويزيد بن أبي كبشة في سفر ، فكان يزيد يصوم في السفر ، فقال له أبو بردة ؛ سمعت أبا موسى مرارًا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فذكر الحديث .

قال أحمد بن حنبل: إذا كان في الحديث قصة ، دلّ على أن رواية حفظه والله أعلم (20) .

وقد يكون الاختلاف في السند في تسمية راو:

كحديث الزهري عن أبي بكر بن محمد بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كتب إلى أهل اليمن كتابًا فيه الفرائض والسنن والديات ، وبعث به مع عمرو بن حزم ، فقرأت على أهل اليمن هذه نسختها ، وذكره .

هذا الحديث اختلف فيه على يحيى بن حمزة في تسمية شيخه الراوي عن الزهري .

فرواه الحكم بن موسى قال: حدثنا يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود قال: حدثني الزهري .

قال أبو داود: هذا وهم من الحكم بن موسى (21) .

ورواه محمد بن بكار عن يحيى عن سليمان بن أرقم عن الزهري .

قال النسائي: وهذا أشبه بالصواب وسليمان بن أرقم متروك الحديث (22) .

قلت: الراجح فيه رواية محمد بن بكار ؛ لأنها مطابقة لأصل يحيى بن حمزة ، قال الإمام المزي رحمه الله: وكذلك حكى غير واحد أنه قرأه في أصل يحيى بن حمزة . انتهى .

ومحمد بن بكار دمشقي كمان أن يحيى دمشقي ، وأما الحكم بن موسى فهو بغدادي .

ومن تلك المخالفات الإدراج في المتن أو في الإسناد:

والطريق إلى معرفة كونه مدرجًا أن تأتي رواية مفصلة للرواية المدرجة ، وتتقوى الرواية المفصلة بأين يرويه أحد الرواة مقتصرًا على إحدى الروايتين (23) .

كحديث الزهري عن حميد بن عبد الحمن عن أمه أم كلثوم بنت عقبة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: (( ليس الكذاب من يصلح بين الناس ، فقال خيرًا أو نمى خيرًا ) ).

رواه معمر وعبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري بدون زيادة (24) .

ورواه يونس بن يزيد الأيلي ومحمد بن الوليد الزبيدي عن الزهري به ، وزاد فيه: (( ولم يرخص في شئ مما يقول الناس أنه مذب ، إلا في ثلاث ، في الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها ) ) (25) .

ولكن أدرج هذه الزيادة صالح بن كيسان وابن جريج وعبد الوهاب بن أبي بكر ، فرووه عن الزهري ... أن أم كلثوم قالت: ولم أسمعه يرخص في شئ مما يوقل الناس إلا في ثلاث ... الحديث (26) .

وجزم بالإدراج موسى بن هارون والنسائي وغيرهما وتبعهم ابن حجر (27) . وذلك لأن يونس والزبيدي من أثبت الناس في الزهري .

(1) العلل الصغير (5/746) من آخر الجامع .1)

(2) كتاب العلم لأبي خيثمة النسائي (26) .2)

(3) كتاب العلم لأي خيثمة النسائي (26) .3)

(4) كتاب العلم لأبي خيثمة النسائي (32) .4)

(5) تهذيب الكمال (2/431) .5)

(6) النكت على كتاب ابن الصلاح (296) .6)

(7) فتح المغيث للسخاوي (1/23) .7)

(8) سؤالات السهمي .8)

(9) شرح علل الترمذي (242) .1)

(10) النكت للحافظ ابن حجر (281) .2)

(11) شرح علل الترمذي (243) .3)

(12) النكت (282) .4)

(13) العلل الصغير في آخر الجامع (5/759) .5)

(14) النكت (282) .6)

(15) النكت (283) .7)

(16) شرح علل الترمذي (277) .8)

(17) شرح السنة (1/255 ، 256) .1)

(18) أخرجه الإمام أحمد (1/283) ، والبخاري في التاريخ الكبير (7/201) ، وأبو داود (141) ، والنسائي في الكبرى (1/83 ، 84) ، وابن ماجه (408) ، وابن أبي شيبة (1/33) ، والحاكم في الستدرك (1/249) .2)

(19) أخرجه البخار في الصحيح (2996) ، وانظر التتبع للدار قطني (ص165 ، 166) .3)

(20) هدي الساري (ص382) .1)

(21) تهذيب الكمال (11/418) .2)

(22) السنن الكبرى (4/245 ، 246) ، دار الكتب العلمية ) .3)

(23) النكت على كتاب ابن الصلاح (356) .4)

(24) أخرجه الإمام أحمد (6/403 ، 404) ، البخاري (2692) ، مسلم (2605) ، أبو داود (4920) ، والترمذي (1938) ، وقال: حسن صحيح .1)

(25) أخرجه الإمام مسلم (2605) ، والنسائي في السنن الكبرى (5/351 ، 352) .2)

(26) أخرجه الإمام أحمد (6/404) ، وأبو داود (4921) ، والنسائي في السنن الكبرى (5/193 ، 351 ) .3)

(27) فتح الباري (5/353) .4)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت