لما انتقد أهل الحديث الأحاديث انتقدوا متنًا وإسنادًا ، والإسناد وسيلة لنقد الحديث وإثبات صحة متنه ، والمتن أهم شئ وجد الإسناد لأجله .
بل إن كثيرًا من الجرح في الرواة كان بسبب ما رووه من المتون ، وكذلك التوثيق ، كما سبق في بحث المجهول .
والمتن إّذا كان مشهورًا عن الثقات والأمناء على الحديث ، لا يكون فيه ما يقدح في صحته .
ولا يعرض حديث على الكتاب والسنة إلا إن كان فردًا يستغرب (1) ، أو كان في إسانيده ضعف ،
وإلا ؛ فإنه ليس هنالك حديث صحيح يخالف ما ثبت في الكتاب والسنة ، بل لا بد من الجمع بين النصوص .
قال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة: لا أعرف أنهروي عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حديثان بإسنادين صحيحين متضادان ، فمن كان عنده فليأت به حتى أؤلف بينهما (2) .
ولا يمكن أن يوجد متن سقيم بإسناد صحيح أبدًا ، بل إن إنكاره المتن وبطلانه دليل على وجود اعلة الخفية في إسناده .
وقال المعلمي رحمه الله: إذا استنكر الأئمة المحققون المتن ، وكان ظاهر السند الصحة ؛ فإنه يتطلبون له علة ، فإّا لم يجدوا علة قادحة مطلقًا ، حيث وقعت ، أعلوه بعلة ليست بقادحة مطلقًا ولكنهم يرونها كافية للقدح في ذلك المنكر ... ( وذكر أمثلة ) (3) .
وأشد ما يقدح في صحة المتن معارضته لموجب الكتاب والسنة الصحيحة (4) .
قال الربيع بن خثيم رحمه الله: إن من الحديث حديثًا لو ضوء كضوء النهار نعرفه به ، وإن من الحديث حديثًا له ظلمة كظلمة الليل نعرفه به (5) .
كحديث (( أطفال المشركين خدم أهل الجنة ) ) (6) ، قال الله عز وجل ( ولا تزر وزارة وز أخرى ) [ فاطر: 18] ، وقال: ( ولدان مخلدون ) [ الواقعة:17] .
وقال ابن عباس رضي الله عنه: سئل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن أولاد المشركين فقال: (( الله أعلم بما كانوا عاملين ) ) (7) .
وحديث سعيد بن بشير عن قتادة عن خالد بن دريك عن عائشة: أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعليها ثياب رقاق فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقال: (( يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح لها أن يرى منها إلا هذا وهذا ) )، وأشار إلى وجهه وكفيه (8) .هذا الحديث مخالف للكتاب والسنة (9) ؛ حيث استثنى الوجه والكف ، وقال الله عز وجل: ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) [ النور:31] ، قالت عائشة رضي الله عنها: لما نزلت هذه الآية أخذن أزرهن فشققتها من قبل الحواشي فاختمرن بها (10) .
وقال الله تعالى أيضًا: ( يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورًا رحيمًا ) [الأحزاب:59] .
العلة الثانية: الانقطاع بين خالد بن دريك وعائشة رضي الله عنها ، قال أبو داود: هذا مرسل ؛ خالد بن دريك لم يدرك عائشة .
العلة الثالثة: تفرد خالد بن دريك عن عائشة ، فلم يرو هذا الحديث عنها غيره من أصحابها كعروة والأسود بن يزيد النخعي وعمرة بنت عبد الرحمن ، وهو شامي وهي مدنية رضي الله عنها .
العلة الرابعة: سعيد بن بشير ثقة وروايته عن قتادة خاصة ضعيفة منكرة .
قال محمد بن عبد الله بن نمير: منكر الحديث ليس بشئ ، ليس بقوي الحديث ؛ يروي عن قتادة المنكرات (11) .
العلة الخامسة: تفرده عن قتادة ، ولم يرو هذا الحديث أحد من أصحاب قتادة غيره (12) .
فتبين بذلك أن الحديث باطل سندًا ومتنًا . والله أعلم .
ومن تلك المخالفات التي تقدح في صحة المتن اشتماله على مجازفات لا يقول مثلها الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم:
ومنها: تكذيب الحس له ، كحديث: (( أكذب الناس الصباغون والصوّاغون ) ).
ومنه: سماجة الحديث وكونه مما يسخر منه ، كحديث: (( الجوز دواء والجبن داء ، فإذا صار في الجوف صار شفاء ) )؛ فلعن الله واضعه على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
ومنها: أن يكون كلامًا لا يشبه كلام الأنبياء فضلًا عن كلامه صلى الله عليه وعلى آله وسلم (13) .
قال ابن رجب: حذاق النقاد من الحفاظ لكثرة ممارستهم للحديث ومعرفتهم بالرجال وأحاديث كل واحد منهم ، لهم فهم خاص يفهمون به أن هذا الحديث يشبه حديث فلان ، ولا يشبه حديث فلان فيعللون الأحاديث بذلك . وهذا مما لا يعبر عنه بعبارة تحضره ، وإنما يرجع فيه أهله ألى مجرد الفهم والمعرفة التي خصوا بها عن سائر أهل العلم (14) .
وقال (15) : ومن ذلك أنهم يعرفون الكلام الذي يشبه كلام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الكلام الذي لا يشبه كلامه .
قال ابن أبي حاتم الرازي: نعلم صحة الحديث بعدالة ناقليه ، وأن يكون كلامًا يصلح أن يكون مثله كلام النبوة ، ونعرف سقمه وإنكاره بتفرد من لم تصح عدالته بروايته ، والله أعلم (16) .
(1) وأشار إلى ذلك ابن حبان الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (1/155) .4)
(2) الكفاية (ص432 ، 433) .1)
(3) مقدمته على الفوائد المجموعة للشوكاني (ص8) .2)
(4) المنار المنيف للعلامة ابن القيم رحمه الله (ص34) تحقيق أبو غدة . 3)
(5) الكامل لابن عدي (1/55) ، ومعرفة علوم الحديث للحاكم (62) ، والكفاية (431) .4)
(6) التاريخ الكبير للبخاري (6/408) .5)
(7) أخرجه البخاري برقم (6597) .6)
(8) سنن أبي داود وبهامشه عون المعبود (11/108) ، ط دار الكتب العلمية .
(9) انظر: أضواء البيان للشنقيطي (6/584 ، 602) .8)
(10) صحيح البخاري (4759) .1)
(11) الجرح والتعديل (4/7) .2)
(12) انظر: شرح علل الترمذي (281 ، 284) .3)
(13) انظر: المنار المنيف لابن القيم (43) وما بعدها .4)
(14) شرح علل الترمذي (390) .5)
(15) شرح علل الترمذي (379) .1)
(16) مقدمة الجرح والتعديل (351) .2)