فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 40

فصل من تقبل ورايته في بعض الأحوال دون بعض .

ومن الرواة من تقبل روايته في بعض الأحوال دون بعض .

ومنهم المختلط: وهو من ساء حفظه (1) ، والأصل في الثقات عدم الاختلاط ما لم يفحش ، ويعرف الاختلاط الفاحش من اليسير بأمور:

الأول: أن يعرف بنص الأئمة ، قال الحسن: قلت لعلي بن المديني: حصين ؟ قال: حصين حديثه واحد وهو صحيح ، قلت: فاختلط ؟ قال: لا ، ساء حفظه ، وهو على ذلك ثقة (2) .

وقال الذهبي: هشام بن عروة حجة إمام ، لكن في الكبر تناقص حفظه ولم يختلط أبدًا ، تغير قليلًا ولم يبق حفظه كهو في حال الشبيبة ، فنسي بعض محفوظه أو وهم (3) . انتهى مختصرًا .

والثاني: بأن تروى عنه أخبار تدل على اختلاط عقله تمامًا ، كقول أبي عمر الحوضي: دخلنا على سعيد بن أبي عروبةأريد أن أسمع منه وقد اختلط ، فسمعته يقول: الأزد أزد عريضة ، ذبحوا شاة مريضة ، أطعموني فأبيت ، ضربوني فبكيت ، فعلمت أنه مختلط ، فلم أسمع منه (4) .

ومثله ورد عن خلف بن خليفة الواسطي (5) ، وعارم السدوسي (6) ، وليث ابن أبي سليم (7) وعطاء بن السائب (8) ، وصالح مولى التوأمة (9) .

والثالث: بأن توجد له أحاديث منكرة ، فإن لم توجد دل ذلك على أن اختلاطه ليس بضار في حديثه .

قال ابن عدي في أبان صمعة: إنما عيب عليه اختلاطه لما كبر ، ولم ينسب إلى الضعف ؛ لأن مقدار ما يرويه مستقيم (10) .

والرابع: يعمل الحفاظ تجاه من وصف بالاختلاط ، كإخراج البخاري حديث أبي إسحاق السبيعي كثيرًا في صحيحه عمن روى عنه بعد اختلاطه ومنهم ابنه إسرائيل ، فعلم من هذا أن اختلاطه يسير وليس بضار (11) .

قال أبو حاتم بن حبان: وأما المختلطون في أواخر أعمارهم مثل الجريري وسعيد بن أبي عروبة وأشباههم ، فإنا نروي عنهم في كتابنا هذا ونحتج بما رووا ، إلا أنا لا نعتمد من حديثهم إلا ما روي عنهم الثقات من القدماء الذين نعلم أنهم سمعوا منهم قبل اختلاطهم ، وما وافقوا الثقات في الروايات التي لا نشك في صحتها وثبوتها من جهة أخرى ؛ لأن حكمهم وإن اختلطوا في أواخر أعمارهم ، وحمل عنهم في اختلاطهم بعد تقدم عدالتهم ، حكم الثقة إذا أخطأ أن الواجب ترك خطئه إذا علم ، والاحتجاج بما نعلم أنه لم يخطئ فيه ، وكذلك حكم هؤلاء الاحتجاج بهم فيما وافقوا الثقات وما انفردوا مما روى عنهم القدماء من الثقات الذين كان سماعهم منهو قبل الاختلاط سواء (12) .

قلت: فإذا كان اختلاطه ضارًا ، والراوي عنه سمع منه بعد الاختلاط فإنه لا يحتج به .

قال ابن عمار الموصلي: سمع وكيع والمعافى بن عمران من سعيد بعد الاختلاط ، قال: وليس روايتهما عنه بشئ (13) .

وقال الخطيب البغدادي: وكان عطاء بن السائب قد اختلط في آخر عمره ، فاحتج أهل العلم برواية الأكابر عنه مثل سفيان الثوري وشعبة ، لأن سماعهم منه كان في الصحة وتركوا الاحتجاج برواية من سمع منه أخيرًا (14) .

وإذا لن يتميز حديثه ، أو كان الراوي عنه سمع منه قبل الاختلاط وبعده ، يتوقف فيه ولا يحتج به .

قال يحيى بن معين: وقد سمع أبو عوانة من عطاء في الصحة والاختلاط جميعًا ، ولا يحتج بحديثه (15) .

فأما من لم يحدث بعد اختلاطه فهو كغير المختلط ، واختلاطه ليس بضار . ومنهم جرير بن حازم البصري ، قال ابن مهدي: واختلط ، وكان له أولاد أصحاب حديث ، فلما أحسوا ذلك منه حجبوه ، فلم يسمع منه أحد في حال اختلاطه شيئًا (16) .

ومثل جير حجاج الأعور (17) ، وعبد الوهاب الثقفي (18) .

وقال الذهبي: كل تغير يوجد في مرض الموت فليس بقادح في الثقة ، فإن غالب الناس يعتريهم في المرض الحاد نحو ذلك ، ويتم لهم وقت السياق وقبله أشد من ذلك ، وإنما المحذور أن يقع الاختلاط بالثقة ، فيحدث في حال اختلاطه بما يضطرب في إسناده أو متنه فيخالف فيه (19) . انتهى .

وقد تقبل أخبار المختلطين إذا كان الراوي عنهم من كبار الحفاظ .

وقال وكيع: كنا ندخل على سعيد بن أبي عروبة فنسمع ، فما كان من صحيح حديثه أخذناه ، وما لم يكن صحيحًا طرحناه (20) .

قال ابن معين: قلت لوكيع بن الجراح: تحدث عن سعيد بن أبي عروبة وإنما سمعت منه في الاختلاط ؟ قال: رأيتني حدثت عنه إلا بحديث مستو؟! (21) .

قال ابن حجر رحمه الله تعالى في ترجمة عبد الله بن صالح الجهني: ظاهر كلام هؤلاء الأئمة أن حديثه في الأول كان مستقيمًا ، ثم طرأ عليه فيه تخليط ، فمقتضى ذلك أن ما يجئ من روايته عند أهل الحذق كيحيى بن معين والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم فهو من صحيح حديثه ، وما يجئ من رواية الشيوخ عنه فيتوقف فيه (22) .

ومنهم من أضر آخر عمره وكان لا يحفظ جيدًا فكان يتلقن (23) . وليس كل تلقين يضر ، ولا كل من تلقن يضعف حديثه .

قال سفيان بن عيينة: إنما مثل التلقين لمن يحفظ رجل قيل له: تعرف فلانًا ؟ قال: لا . قيل له: ابن

فلان ابن فلان ، منزله في موضع كذا . قال: نعم .

قال مسلم بن وارة: ومما يحقق قول ابن عيينة قول الله يعني: ( فتذكر إحداهما الأخرى ) [ البقرة: 282 ] فإنما هو من التذكير ، فإذا ذكّر ذكر (24) .

قال المعلمي: التلقين القادح في الملقن هو أن يدفع الشيخ في الكذب ولا يبين ، فإن كان فإنما فعل ذلك امتحانًا للشيخ وبيّن ذلك في المجلس لم يضر ، وإما إن قبل التلقين وكثر منه فإنه يسقط (25) .

قلت: وإنما يضر التلقين بالراوي إذا كثر منه وكان ما تلقنه ليس من حديثه ، ورواية كبار الحفاظ عنه من أرفع حديثه .

وسئل يحيى بن معين عن سويد بن سعيد فقال: ما حدثك فكتب عنه ، وما حدث به تلقينًا فلا (26) .

وقال أبو القاسم البغوي: كان من كبار الحفاظ ، وكان أحمد بن حنبل ينتقي عليه لولديه صالح وعبد الله يختلفان إليه فيسمعان منه (27) .

قال عبد الله بن الزبير الحميدي: ومن تلقن فتلقن يرد حديثه الذي لقن فيه ، وأخذ عنه ما أتقن حفظه ، إذا علم أن ذلك التلقين حادث في حفظه ، لا يعرف به قديمًا ، فأما من عرف به قديمًا في جميع حديثه فلا يقبل حديثه ، ولا يؤمن أن يكون ما حفظ مما لقن (28) .

قال أبو حاتم الرازي في محمد بن جابر اليمامي: ذهبت كتبه في آخر عمره ، وساء حفظه ، وكان يلقن ، وكان عبد الرحمن بن مهدي يحدث عنه ثم تركه بعد ، وكان يروي أحاديث مناكير وهو معروف بالسماع جيد اللقاء ، رأوا في كتبه لحقًا (29) .

ومنهم من كان ثقة في شيخ ضعيفًا في آخر (30) .

مثل جرير بن حازم ، قال عبد الله بن أحمد عن يحيى بن معين: ليس به بأس . قال عبد الله: فقلت له: يحدث عن قتادة عن أنس بأحاديث مناكير ؟ فقال: ليس بشئ عن قتادة وهو ضعيف (31) .

ومنهم من حفظه فيه شئ وكتابه صحيح (32) .

مثل إبراهيم بن سعد الزهري ، قال أحمد: كان يحدث من حفظه فيخطئ ، وفي كتابه صواب (33) .

ويعرف تحديث الراوي من كتابه بواحد من أمور:

الأول: أن يصرح الراوي أن شيخه حدثه من كتابه .

الثاني: أن يعرف من منهج الراوي ألا يحدث إلا من كتابه . ومنهم جرير ابن عبد الحميد الضبي (34) .

الثالث: أن يعرف من منهج الراوي ألا يأخذ من شيوخه إلا ما حدثوا به من كتبهم .

ومنهم: يحيى بن معين قال: ما كتبت عن عبد الرزاق حديثًا واحدًا إلا من كتابه (35) .

وكبار حفاظ أهل الحديث غالبًا لا يأخذون من شيوخهم إلا ما حدثوا به من كتبهم ، وخاصة إن كان الراوي ممن يهم في حفظه ، أو كان الحديث غريبًا .

الرابع: إذا لم يؤخذ عليه خطأ ، أو كانت أخطاؤه قليلة .

مثل: عبد الواحد بن واصل أبو عبيدة الحداد ، قال أحمد: لم يكن صاحب حفظ وكتابه صحيح . وقال ابن معين: كان من المتثبتين ، ما أعلم أنا أخذنا عليه خطأ ألبتة (36) .

ومنهم من ضعف حديثه في بعض الأماكن دون بعض ، وهو ثلاثة (37) :

الأول: من حدث في مكان لم تكن معه فيه كتبه فخلط وحدث في مكان آخر ومعه كتبه فاتقن ، أو سمع من شيخ في مكان فلم يضبط ، وسمع منه في موضع آخر فضبط .

كمعمر بن راشد ، قال يعقوب بن شيبة: سماع أهل البصرة من معمر حين قدم عليهم فيه اضطراب ؛ لن كتبه لم تكن معه (38) .

الثاني: من حدث عن أهل إقليم فحفظ حديثهم ، وحدث عن غيرهم فلم يحفظ .

ومنهم إسماعيل بن عياش ، قال البخاري: إذا حدث عن أهل بلده فصحيح ، وإذا حدث عن غيرهم ففيه نظر (39) .

الثالث: من حدث عنه أهل إقليم فحفظوا حديثه ، وحدث عنه غيرهم فلم يقيموا حديثه .

ومنهم زهير بن محمد الخراساني قال ابن عدي: لعل الشاميين حيث رووا عنه أحطأوا عليه ، فإنه إذا حدث عنه أهل العراق فرواياتهم عنه شبه المستقيم ، وأرجو أنه لا بأس به (40) .

ومنهم من ضعف حديثه إذا جمع الشيوخ دون ما إذا أفردهم (41) .

قال الحافظ بن رجب: الرجل إذا جمع بين حديث جماعة وساق الحديث سياقة واحدة ، فالظاهر أن لفظهم لم يتفق ، فلا يقبل هذا الجمع إلا من حافظ متقن لحديثه ، يعرف إتقان شيوخه واختلافهم ، كما كان الزهري يجمع بين الشيوخ له في حديث الإفك وغيره .

وكان الجمع بين الشيوخ ينكر على الواقدي وغيره ممن لا يضبط هذا ، كما أنكر على ابن إسحاق وغيره ، وقد أنكر شعبة أيضًا على عوف الأعرابي (42) . انتهى .

وقال الإمام أحمد في رواية المروزي: ابن إسحاق حسن الحديث ، لكن إذا جمع بين رجلين . قلت: كيف ؟ قال: يحدث عن الزهري وآخر يحمل حديث هذا على هذا (43) .

(1) شرح علل الترمذي (308) . (3) 3)

(2) شرح علل الترمذي (313) . (4) 4)

(3) ميزان الاعتدال (4/301) . (5) 5)

(4) كتاب المجروحين (1/68) ، والكفاية في علم الرواية (136) . (6) 6)

(5) ميزان الاعتدال (1/659) . (7) 7)

(6) الكفاية (136) . (8) 8)

(7) كتاب المجروحين (1/68) . (9) 9)

(8) تهذيب الكمال (20/90) ، والمراسيل لابن أبي حاتم (130) . (9) 9)

(9) تهذيب الكمال (13/100) . (10) 10)

(10) الكامل (1/392) . (1) 1)

(11) انظر: التقييد والإيضاح (426) . (2) 2)

(12) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (1/161) . (3) 3)

(13) شرح علل الترمذي (317) . (4) 4)

(14) الكفاية (137) . (5) 5)

(15) الجرح والتعديل (6/334) . (1) 1)

(16) تهذيب الكمال (4/528) . (2) 2)

(17) ميزان الاعتدال (1/464) . (3) 3)

(18) شرح علل الترمذي (318) . (4) 4)

(19) سير أعلام النبلاء (10/254) . (5) 5)

(20) تهذيب الكمال (11/10) . (6) 6)

(21) الكفاية في علم الرواية (136) . (7) 7)

(22) هدي الساري (434) . (8) 8)

(23) شرح علل الترمذي (320) . (9) 9)

(24) سؤالات البرذعي لأبي زرعة الرازي (2/742) . (1) 1)

(25) التنكيل (1/228) . (2) 2)

(26) تهذيب الكمال (12/251) . (3) 3)

(27) تهذيب الكمال (12/250) . (4) 4)

(28) الجرح والتعديل (2/34) . (5) 5)

(29) الجرح والتعديل (7/219) . (6) 6)

(30) شرح علل الترمذي (336) . (7) 7)

(31) شرح علل الترمذي (339) . (8) 8)

(32) شرح علل الترمذي (323) . (1) 1)

(33) شرح علل الترمذي (327) . (2) 2)

(34) تهذيب الكمال (1/545) . (3) 3)

(35) شرح علل الترمذي (321) . (4) 4)

(36) ميزان الاعتدال (2/677) . (5) 5)

(37) شرح علل الترمذي (329 ـ 335) . (6) 6)

(38) شرح علل الترمذي (33) . (7) 7)

(39) ميزان الاعتدال (1/142) . (8) 8)

(40) الكامل لابن عدي (3/223) . (1) 1)

(41) شرح علل الترمذي (358) . (2) 2)

(42) شرح علل الترمذي (358) . (3) 3)

(43) شرح علل الترمذي (358 ، 359) . (4) 4)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت