قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( إن كذبًا عليّ ليس ككذب على أحد ؛ من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار ) ) (1) .
فمع أن الكذب حرام مطلقًا ، إلا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فرّق بين المذب عليه والكذب على غيره ، فجعل الكذب عليه أشد تحريمًا ، وذلك صيانة للشريعة .
تساهل أهل الحديث في كتابة الأحاديث عن الضعفاء والرواية عنهم ، لا سيما في الفضائل والترغيب والترهيب ونحو ذلك .
أما عن شديدي الضعف والكذابين فكانوا يتشددون في ذلك ، وإنما يكتبون حديثهم للمعرفة ، وتساهل في ذلك طائفة من المتأخرين .
قال عبد الرحمن بن مهدي: خصلتان لا يستقيم فيهما حسن الظن: الحكم ، والحديث .
وقال ابن أبي حاتم: يعني لا يستعمل حسن الظن في قبول الرواية عمن ليس بمرضي (2) .
وقال سفيان الثوري رحمه الله: لا تأخذوا هذا العلم في الحلال والحرام إلا من الرؤساء المشهورين بالعلم يعرفون الزيادة والنقصان ، فلا بأس بما سوى ذلك من المشايخ (3) .
وقال الإمام أحمد رضي الله عنه: إذا روينا عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الحلال والحرام والسنن والأحكام في الأسانيد ، وإذا روينا عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في فضائل الأعمال وما لا يضع حكمًا ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد (4) .
وقال أيضًا: أحاديث الرقاق يحتمل أن يتساهل فيها ، حتى يجئ شئ فيه حكم (5) .
وقال أبو حاتم: أن عبدة بن سليمان: قيل لابن المبارك وقد روي عن رجل حديثًا: هذا رجل ضعيف ، فقال: يحتمل أن يروى عنه هذا القدر أو مثل هذه الأشياء . قلت لعبدة: مثل أي شئ كان ؟ قال: في أدب ، في موعظة ، في زهذ ، أو نحو هذا (6) .
وقال البيهقي: من لا يكون متهمًا بالوضع ، غير أنه عرف بسوء الحفظ وكثرة الغلط في رواياته ، أو يكون مجهولًا لم يثبت من عدالته وشرائط قبول خبره ما يوجب القبول .
فهذا الضرب من الأحاديث لا يكون مستعملًا في الأحكام ، كما لا تكون شهادة من هذه صفته مقبولة عند الحكام . وقد تستعمل في الدعوات والترغيب والترهيب والتفسير والمغازي فيما لا يتعلق به حكم (7) .
وقال البيهقي: وإنما تساهلوا في أخذ التفسير عنهم ؛ لأن ما فسروا به ألفاظه تشهد لهم به لغات العرب ، وإنما عملهم في ذلك الجمع والتقريب فقط (8) .
(1) أخرجه البخاري برقم (1291) .5)
(2) الجرح والتعديل (2/35) .1)
(3) الكفاية (134) .2)
(4) الكفاية (134) .3)
(5) المصدر السابق .4)
(6) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (2/30 ، 31) .5)
(7) دلائل النبوة (1/34) .6)
(8) دلائل النبوة (3/37) .7)