بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ،وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله .
أما بعد:
فالواجب أن يكون طلبة الحديث أكمل الناس أدبًا ، وأشد الخلق تواضعًا ، وأعظمهم نزاهة وتدينًا ، وأقلهم طيشًا وغضبًا ، لدوام قرع أسماعهم بالأخبار المشتملة على محاسن أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم وآدابه ، وسيرة السلف الأخيار من أهل بيته وأصحابه ، وطرائق المحدثين ، ومآثر الماضيين ، فيأخذوا بأجملها وأحسنها ، ويصدفوا عن أرذلها وأدونها (1) .
قال أبو عاصم: من طلب الحديث فقد طلب أعلى الأمور فيجب أن يكون خير الناس (2) .
فإن علم الحديث من أفضل العلوم الفاضلة ، وأنفع العلوم النافعة ، يحبه ذكور الرجال وفحولهم ، ويعنى به محققو العلماء وكملتهم ، ولا يكرهه من الناس إلا رذالتهم وسفلتهم (3) .
وقال الخطيب البغدادي: ولما كان ثابت السنن والآثار ، وصحاح الأحاديث المنقولة والأخبار ، ملجأ المسلمين في الأحوال ، ومركز المؤمنين في الأعمال ؛ إذ لا قوام للإسلام باستعمالها ، ولا ثبات للإيمان إلا بانتحالها ، وجب الاجتهاد في علم أصولها ، ولزم الحث على ما عاد بعمارة سبيلها (4) .
وقال الإمام الحافظ ابن رجب ـ رحمه الله تعالى ـ: فالعلم النافع من هذه العلوم كلها ضبط نصوص الكتاب والسنة وفهم معانيها ، والتقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديث وفيما ورد عنهم من الكلام في مسائل الحلال والحرام والزهد والرقائق والمعارف وغير ذلك ، والاجتهاد على تمييز صحيحه من سقيمه أولًا ، ثم الاجتهاد على الوقوف على معانيه وتفهمه ثانيًا ، وفي ذلك كفاية لمن عقل ، وشغل لمن بالعلم النافع عني واشتغل (5) .
وقال: ويحتاج من أراد جمع كلامهم إلى معرفة صحيحه من سقيمه ، وذلك بمعرفة الجرح والتعديل والعلل ، فمن لم يعرف ذلك فهو غير واثق بما ينقله ويلتبس حقه بباطل ولا يثق بما عنده من ذلك (6)
قلت: وهذه رسالة جمعتها ـ بعون الله وتوفيقه ـ في علم الجرح والتعديل والعلل .
وحاولت فيها إيضاح منهج النقاد من أهل الحديث المتقدمين في تصحيح الأحاديث وتعليلها ونقد الرجال وبيان القوي منهم والضعيف .
واجتهدت في جمع كلامهم ، حتى يتضح هذا العلم بكلام مؤسسيه ، مكتفيًا به عن شرحه لوضوحه ، ولم أتعرض لتزييف الأقوال المخالفة لهم ، إلا بعض الإشارات اليسيرة .
وأتقدم بالشكر الجزيل لشيخيّ الفاضلين المحدثين ؛ الشيخ / عبد الله بن عبد الرحمن السعد ، والشيخ / الشريف أبي محمد حاتم بن عارف العبدلي ، وقد استفدت منهما كثيرًا في تصنيف وجمع هذه الرسالة .
وليس لي فيها إلا زيادات يسيرة على ما قالا ، واجتهادًا في جمع كلام الأئمة المتقدمين ـ رحمهم الله ـ في علم الحديث ، وقد سميتها: الخبر الثابت .
(1) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع . (1) 1)
(2) المصدر السابق . (2) 2)
(3) مقدمة ابن الصلاح (3) (3) 3)
(4) الكفاية في علم الرواية (3) . (4) 4)
(5) بيان فضل علم السلف على علم الخلف (150) ، تحقيق محمد بن ناصر العجمي . (5) 5)
(6) المصدر السابق (148) (6) 6)