عرف الخطيب البغدادي المجهول عند أصحاب الحديث بأنه: كل من لم يشتهر بطلب العمل في نفسه ، ولا عرفه العلماء به ، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد (1) .
وهذا التعريف جامع لمذاهب أهل الحديث في المجهول .
فمنهم من قصر المجهول على من روى عنه واحد فقط ، واكتفى بروايتين عنه في رفع جهالته ، ويكون معروفًا ، وهو مذهب منسوب إلى الذهلي ، والبزار (2) ، وموسى بن هارون الحمال (3) ، وابن عدي ، والدار قطني ، والحاكم (4) ، وابن منده ، والبيهقي (5) وغيرهم .
قال الذهلي: إذا روى عن المحدث رجلان ارتفع عنه اسم الجهالة (6)
وقال ابن عدي: ولا أعلم يروي عن سعيد غير مروان الفزاري ، وإذا روى عنه رجل واحد كان
شبه المجهول (7) .
وقال الدار قطني: وارتفاع اسم الجهالة عنه أن يروي عنه رجلان فصاعدًا ، فإذا كان هذه صفته ارتفع اسم الجهالة عنه وصار حينئذ معروفًا (8) .
وقال ابن منده: من حكم الصحابي أنه إذا روى عنه تابعي واحد وإن كان مشهورًا مثل الشعبي وسعيد بن المسيب ينسب إلى الجهالة ، فإن روى عنه رجلان صار مشهورًًا (9) .
ومنهم نظر إلى أن الشهرة لا تحصل بروايتهما عنه بل برواية أهل العلم ممن لا يروي عن المجاهيل .
قال يعقوب بن شيبة: قلت لابن معين: متى يكون الرجل معروفًا إذا روى عندكم ؟ قال: إذا روى عن الرجل مثل ابن سيرين والشعبي وهؤلاء من أهل العلم فهو غير مجهول . قلت: فإذا روى عنه مثل سماك بن حرب وأبي إسحاق ؟ قال: هؤلاء يروون عن مجاهيل .
قال ابن رجب: وهو تفصيل حسن ، وهو يخالف إطلاق محمد بن يحيى الذهلي الذي تبعه عليه المتأخرون (10) .
ومنهم من لا ينظر إلى ذلك بل إلى حصول شهرته وكثرة حديثه كعلي بن المديني وغيره (11) .
قال ابن رجب رحمه الله: وظاهر هذا أنه لا عبرة بتعدد الرواة ، وإنما العبرة بالشهرة ورواية الحفاظ الثقات (12) .
والظاهر أن هذا الاختلاف في تحديد معنى الجهالة ، إنما هو اختلاف تنوع ليس اختلاف تضاد ، فيعطى لكل صورة من الجهالة حكمها .
ولجهالة الراوي أسباب:
منها: قلة حديثه ؛ كقول ابن معين في عاصم بن سويد: لا أعرفه . وقال ابن عدي معلقًا: وإنما لا يعرفه لأنه قليل الرواية جدًا ، ولعل ما يرويه ولا يبلغ خمسة أحاديث (13) .
ومنها: سكناه في بلد نائية كالبادية ؛ مثل مدلاج بن عمرو السلمي ، قال أبو حاتم: مجهول (14) .
ومنها: تدليس الشيوخ ، وهو تعمية الراوي أمر شيخه ، فيذكره بغير ما اشتهر به .
قال الذهبي: علي بن سويد شيخ ليحيى الحماني لا يعرف فيقال:هو معلى بن هلال دلسه الحماني (15)
قال وكيع: من كنى من يعرف بالاسم وسمى من يعرف بالكنية فقد جهل العلم (16) .
ولهذه الأسباب وغيرها يقل الرواة عنه مما يؤدي إلى عدم شهرته . وهي أيضًا نسبية فيكون معروفًا عند قوم ، مجهولًا عند آخرين ، مثل: بيان بن عمرو البخاري العابد (17) ، روى عنه البخاري وأبو زرعة وجماعة ، قال ابن عدي: عالم جليل له غرائب ، وقال أبو حاتم: مجهول (18) .
ونعرف جهالة الراوي أيضًا بعدم معرفته عند من كان مطلعًا على الأسانيد ، مهتمًا بالرجال وسبر أحوالهم .
وقال عثمان بن سعيد الدارمي: قلت ليحي بن معين: مالك بن عبيدة الديلي ،تعرفه ؟ قال: ما أعرفه .
قال أبو محمد بن أبي حاتم: يعني مجهول (19) .
وقال عثمان بن سعيد الدارمي: سألت يحيى عن عبد الرحمن بن آدم كيف هو ؟ فقال: لا أعرفه .
قال ابن عدي: وهذان الاسمان اللذان ذكرهما عثمان عن ابن معين ، فقال: لا أعرفهما ، وإذا قال مثل ابن معين: لا أعرفه ، فهو مجهول غير معروف ، وإذا عرفه غيره ولا يعتمد على معرفة غيره ، لأن الرجال بابن معين تسبر أحوالهم (20) .
قلت: هذا الكلام يطرد فيمن كان من طبقة شيوخ ابن معين ومن فوقهم من القدماء ، ولا يطرد فيمن كان في طبقة يحيى ومن دونه وخاصة من غير بلده ؛ كالمصريين ونحوهم .
ومعنى قول ابن عدي لا يعتمد على معرفة غيره: ألا يصير معروفًا عند أهل العلم ، بل يبقى على جهالته ، وإن عرف حكمه من حيث الجرح والتعديل ؛ لأنه لا مخالفة بين الجرح والتعديل والجهالة .
وتقترن الجهالة بالتوثيق وبالتجريح مما يدل على أنه ليس المجهول من جهل ضبطه دائمًا ، ومنه قول أبي حاتم الرازي في محمد بن طهمان: مجهول لا بأس به (21) . وقول الذهلي في عبد الله بن زياد الرصافي: مجهول مقارب الحديث (22) .
وكقول البخاري في الحسن بن ميسرة: منكر الحديث مجهول (23) . وقول أبي حاتم في الحسن بن شداد الجعفي: مجهول فيه نظر (24) . وقول أبي زرعة الرازي في أبي القاسم الضرير: لا أدري عنه وهو منكر الحديث (25) . وبما سبق تعلم فساد تعريف المجهول بأنه من لا يعرف فيه جرح ولا تعديل . نعم ؛ كل من لا يعرف فيه جرح ولا تعديل فهذا قربنه على جهالته ، ولكن لا عكس .
وقال ابن عدي: حاجب لا ينسب ، وإن لم ينسب كان مجهولًا (26) .
وقال ابن معين: ربيع الغطفاني لا أعرفه . وقال ابن عدي: وأنا لا اعرفه ولا أدري من يروي عنه وعمّن يروي ولم ينسب ابن من ؟ ، فهو مجهول من كل جهاته (27) . وقال: وإذا لم يعرف الرجل وكان مجهولًا كان حديثه مجهولًا (28) .
فالجهالة ليست بجرح ولا تعديل كما أن الشهرة ليست كذلك أيضًا ؛ فبعض الرواة مشهورون ولكن بالكذب ، ونخلص من ذلك أن معناها عند النقاد على المعنى اللغوي مخصصًا بالسياق الحديثي .
قال الحافظ الذهبي: والجمهور على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة ولم يأت بما ينكر عليه أن حديثه صحيح (29) .
وقال في محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب: ما علمت به بأسًا ، ولا رأيت لهم فيه كلامًا ، وقد روى له أصحاب السنن الأربعة فما استنكر له حديث (30)
قلت: شرط العدالة في قبول المجهول متوفر ، ليس كتوفرة في الرواة المشهورين ، وذلك بدلالة استقامة الأحاديث التي رواها مع السلامة من قدحه (31) .
وذلك مثل عبيد الله بن عبد الله بن موهب القرشي (32) . قال الشافعي: لا نعرفه ، ، وقال أحمدبن حنبل: لا يعرف (33) .
وقال أبو إسحاق السعدي: لا يعرف وأحاديث متقاربة من حديث أهل الصدق (34) .
وقال ابن حبان: روى عنه ابنه يحيى بن عبيد الله وهو لا شئ ، وأبوه ثقة ، وإنما وقع المناكير في حديث أبيه من قبل ابنه يحيى (35) .
وأما قول الذهبي رحمه الله ( روى عنه جماعة ) فهذا ليس شرطًا .
قال الإمام أبو عبد الله النيسابوري في كتابه المدخل إلى الإكليل:
القسم الثالث من الصحيح المتفق عليها: أخبار جماعة من التابعين عن الصحابة ، والتابعون ثقات ، إلا أنه ليس لكل واحد منهم إلا الراوي الواحد ، مثل محمد بن حنين ، وعبد الرحمن بن فروخ ، وعبد الرحمن بن معبد ، وزياد ابن الحرث ، وغيرهم ، ليس لهم راو وإلا عمرو بن دينار وهو إمام أهل مكة . وكذلك الزهري محمد بن مسلم ، تفرد بالراوية عن جماعة من التابعين ، منهم عمرو بن أبان بن عثمان ، ومحمد بن عروة بن الزبير ، وعقبة بن سويد الأنصاري ، وسنان بن أبي سنان ، وغيرهم ، وتفرد يحيى بن سعيد الأنصاري عن جماعة من التابعين بالرواية ، منهم يوسف بن مسعود الزرقي ، وعبد الله بن أنيس الأنصاري ، وعبد الرحمن بن المغيرة ، وغيرهم .
وليس في الصحيح من هذه الروايات شئ ، وكلها صحيحة بنقل العدل عن العدل متداولة بين الفريقين محتج بها (36) . انتهى .
قال الذهبي في ترجمة أسقع بن الأسلع: ما علمت روى عنه سوى سويد بن حجير الباهلي وثقة مع هذا يحيى بن معين ، فما كل من لا يعرف ليس بحجة لكن هذا هو الأصل (37) . انتهى .
قلت: فحديث المجهول الذي لا تعلم حاله يتوقف فيه إلى أن تدل القرائن على قبوله وإلا رد.
قال الثوري: إني لأروي الحديث على ثلاثة أوجه: أسمع الحديث من الرجل أتخذه دينًا ، وأسمع من الرجل أقف فيه ، وأسمع من الرجل لا أعبأ به وأحب معرفته (38) .
وقال الجوزجاني: أبو إسحاق ـ السبيعي ـ روى عن قوم لا يعرفون ، ولم ينتشر عنهم عند أهل العلم إلا ما حكى أبو إسحاق عنهم ، فإذا روى تلك الأشياء التي إذا عرضتها الأمة على ميزان القسط الذي جرى عليه سلف المسلمين وأئمتهم الذين هم الموئل لم تتفق عليها ، كان الوقف في ذلك عندي الصواب ؛ لأن السلف أعلم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وتأويل حديثه الذي لا
أصل عندهم (39) .والراوي الذي لم يشتهر ولكن روى بعض الأحاديث التي استقامت يقبل حديثه .
وقال الخطيب البغدادي: من لم يرو عنه غير حديث أو حديثين ولم يعرف بمجالسة العلماء ، وكثرة
الطلب ، غير أنه ظاهر الصدق ، مشهود بالعدالة ، قبل حديثه ، حرًا كان أو عبدًا ، وكذلك إن لم يكن من أهل العلم بمعنى ما روى لم يكن بذلك مجروحًا ؛ لأنه ليس يؤخذ عنه فقه الحديث ، وإنما يؤخذ منه لفظه (40) .
والمجهولون على درجات ، قال الذهبي رحمه الله: أما المجهولون من الرواة ؛ فإن كان الرجل من كبار التابعين أو أوساطهم احتمل حديثه وتلقي بحسن الظن ، إذا سلم من مخالفة الأصول وركاكة الألفاظ
وإن كان الرجل منهم من صغار التابعين فيتأنى في رواية خبره ، ويختلف ذلك باختلاف جلاله الراوي عنه ، وتجربة وعدم تجربة ذلك .
وإن كان المجهول من أتباع التابعين فمن بعدهم فهو أضعف لخبره لا سيما إذا انفرد به (41) .
وقال ابن أبي حاتم: باب في رواية الثقة عن غير المطعون عليه أنه تقوية ، وعن المطعون عليه أنها لا تقويه .
(1) الكفاية (88) . (2) 2)
(2) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (2/128) . (3) 3)
(3) تهذيب التهذيب (1/268) . (4) 4)
(4) معرفة علوم الحديث (62) . (4) 4)
(5) السنن الكبرى (1/245) . (5) 5)
(6) الكفاية (98) . (1) 1)
(7) الكامل في ضعفاء الرجال (3/389) . (2) 2)
(8) السنن (3/471) . (3) 3)
(9) شروط الأئمة الستة لابن طاهر المقدسي (19) . (4) 4)
(10) شرح علل الترمذي (8) . (5) 5)
(11) شرح علل الترمذي (8 ، 18) . (6) 6)
(12) شرح علل الترمذي (18) . (7) 7)
(13) الكامل لابن عدي (5/240) . (1) 1)
(14) الجرح والتعديل (8/428) . (2) 2)
(15) ميزان الاعتدال (9/585) . (3) 3)
(16) الكفاية (371) . (4) 4)
(17) ميزان الاعتدال (4/133) . (5) 5)
(18) الجرح والتعديل (2/425) . (6) 6)
(19) الجرح والتعديل (8/213) . (7) 7)
(20) الكامل في ضعفاء الرجال (4/298) . (8) 8)
(21) ميزان الاعتدال (3/588) . (1) 1)
(22) ميزان الاعتدال (3/8) . (2) 2)
(23) ميزان الاعتدال (1/524) . (3) 3)
(24) ميزان الاعتدال (1/964) . (4) 4)
(25) الجرح والتعديل (9/427) . (5) 5)
(26) الكامل في ضعفاء الرجال (2/448) . (6) 6)
(27) الكامل في ضعفاء الرجال (3/137) . (7) 7)
(28) الكامل في ضعفاء الرجال (3/76) . (8) 8)
(29) ميزان الاعتدال (3/624) . (9) 9)
(30) ميزان الاعتدال (3/668) . (10) 10)
(31) التنكيل (1/76) . (1) 1)
(32) تهذيب الكمال (31/79 ، 80) ، وتهذيب التهذيب (7/24) . (2) 2)
(33) الجرح والتعديل (9/168) . (3) 3)
(34) أحوال الرجال (231) . (4) 4)
(35) كتاب الثقات (5/72) . (5) 5)
(36) المدخل إلى كتاب الإكليل (33 ، 34) . (6) 6)
(37) ميزان الاعتدال (1/211) . (7) 7)
(38) الكفاية (402) ، والكامل لابن عدي (1/82) . (1) 1)
(39) أحوال الرجال (81) . (2) 2)
(40) الكفاية في علم الراوية (93) . (3) 3)
(41) ديوان الضعفاء (374) . (4) 4)