فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 40

قال: سألت أبي عن رواية الثقات عن رجل غير ثقة مما يقويه ؟ قال: إذا كان معروفًا بالضعف لم تقوه روايته عنه ، وإذا كان مجهولًا نفعه رواية الثقة عنه .

وقال: سألت أبا زرعة عن رواية الثقات عن رجل مما يقوي حديثه ؟ قال: أي لعمري ، قلت: الكلبي روى عنه الثوري ، قال: إنما ذلك إذا لم يتكلم فيه العلماء وكان الكلبي يتكلم فيه (1) .

وقال عيسى بن يونس: كان سفيان لا يأخذ لا يأخذ عن أحد إلا أخذنا عنه ، فأخبرني أصحابنا أنهم كانوا مع سفيان ، ودخل على محمد بن سعيد ، ونحن بالباب ، فخرج ، فقال: كذاب ـ يعني الذي قتله أبو جعفر (2) .

وقال الذهبي: وإن كان المنفرد عنه من كبار الأثبات فأقوى لحاله ويحتج بمثله جماعة كالنسائي وابن حبان (3) .

قلت: وإن كان الراوي عن المجهول ممن لا يروي إلا عن ثق كان ذلك أرفع لحديثه وأوقى لعدالته .

وممن لا يروي إلا عن ثقة: عامر بن شراحيل الشعبي ، والحسن البصري ، ومحمد بن سيرين ، وعروة بن الزبير ، ويحيى بن أبي كثير ، وابن أبي ذئب ، وشعبة بن الحجاج ، وإسماعيل بن أبي خالد ، ومنصور بن المعتمر ، ومالك ابن أنس ، ويحيى بن سعيد القطان ، وعبد الرحمن بن مهدي في آخر أمره ، وغيرهم .

وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن أبي رزين شيخ بصري لا أعرفه ، لا أعلم من روى عنه غير سليمان بن حرب ، وكان سليمان بن حرب قل أن يروي عن المشايخ ، فإذا رأيته قد روى عن شيخ فاعلم أنه ثقة (4) .

وقال الحميدي في وصفه للحديث الثابت: متصل غير مقطوع معروف الرجال ، أو يكون حديثًا متصلًا حدثنيه ثقة معروف عن رجل جهلته وعرفه الذي حدثني عنه فيكون ثابتًا يعرفه من حدثنيه حتى يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم (5) . انتهى المراد منه .

وقال المعلمي: والحكم فيمن روى عنه أولئك المحتاطون أن يبحث عنه ، فإن وجد أن الذي روى عنه قد جرحه تبين أن روايته عنه كانت على وجه الحكاية فلا تكون توثيقًا ، وإن وجد غيره قد جرحه جرحًا أقوى مما تقتضيه روايته عنه ترجح الجرح ، وإلا فظاهر روايته عنه التوثيق (6) .انتهى .

قلت: وقد كانوا يكتبون أحاديث الضعفاء للمعرفة ، ويتساهلون في التحديث أثناء المذاكرة فيحدثون عن كل من رووا عنه ، ولذلك فتحمل تساهلهم في التحديث عن الكذابين وغيرهم ، على التحديث أثناء المذاكرة أو للتعجب .

قال سفيان الثوري: إذا جاءت المذاكرة جئنا بكل ، وإذا جاء التحصيل جئنا بمنصورين المعتمر (7) .

وقال أبو داود السجزي: حدث شعبة عن جماعة من الضعفاء: عن مسلم الأعور والعرزمي وعمرو بن عبيد وموسى بن عبيدة وجابر الجعفي والحسن ابن عمارة ، وكان شعبة يقول: لا يحل لي أن أحدث عن احسن بن عمارة .

وقال: قد حدث يحيى ـ يعني القطان ـ عن مشايخ ضعفاء على نقده للرجال: أجلح ومجالد وجعفر بن ميمون صاحب الأنماط ، وكان يحدث عن عمرو بن عبيد ثم تركه بآخره ، وحدث عن موسى الأسواري ثم تركه (8) .

وقال أبو حاتم بن حبان: وأما شعبة وغيره من شيوخنا فإنهم رأوا عند جابر الجعفي أشياء لم يصبروا عنه وكتبوها ليعرفوها ، فربما ذكر أحدهم الشئ بعد الشئ على جهة التعجب فتداوله الناس بينهم ، والدليل على صحة ما ذكرنا أن وكيعًا قال لشعبة: مالك تركت فلانًا وفلانًا ورويت عن جابر الجعفي ؟ قال: روى أشياء لم نصبر عنها .

وقال محمد بن أبي رافع: رأيت أحمد بن حنبل في مجلس يزيد بن هارون ومعه كتاب زهير عن جابر ر، وهو يكتبه ، فقلت: يا أبا عبد الله تنهوننا عن حديث جابر وتكتبونه ؟! قال: نعرفه (9) .

وهم متفاوتون في انتقاء المشايخ فمنهم المتسمح ومنهم المتوقي والمتشدد .

قال القعنبي: سمعت مالكًا يقول لسفيان الثوري: لا تكتب عن رجال فيهم ما فيهم ، فغضب . قال: فقال شعبة:لا تأخذوا عن سفيان الثوري إلا عن رجل تعرفون،فإنه لا يبالي عمن حصّل الحديث (10)

قال الذهبي: مروان بن معاوي الفزاري ، ثقة عالم صاحب حديث لكن يروي عمن ذهب ودرج ، فيستأنى في شيوخه . قال ابن المديني: ثقة فيما روى عن المعروفين (11) . وقال ابن نمير: كان يلتقط الشيوخ من السكك (12) .

قلت: وإن كان الراوي عن المجهول موصوفًا بتدليس الشيوخ ، فإن ذلك مما يوهنه .

قال أبو حاتم: إن محمدًا بن سعيد صلب في الزندقة ، والناس يموهون في الرواية عنه ، فيقلبون اسمه حتى لا يفطن له ، مروان بن معاوية يسميه محمدًا بن أبي قيس ، وعبد السلام بن حرب: يقول: محمد بن حسان ، ومنهم من يقول:أبو عبد الله الشامي ، ومنهم من يقول:أبو عبد الرحمن الأردني (13)

وقال ابن حبان رحمه الله: فلا يجوز الاحتجاج بخبر من في روايته كنية إنسان لا يدرى من هو ، وإن كان دونه ثقة ؛ لأنه يحتمل أن يكون كذابًا كنى عن ذكره (14) . انتهى .

وممن يدلس الشيوخ: مروان بن معاوية الفزاري ، وبقية بن الوليد ، والوليد بن مسلم ، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي ، ومحمد بن إسحاق ، وهشيم بن بشير الواسطي .

وقال ابن المبارك: نعم الرجل بقية ، لولا أنه يكني الأسامي ويسمي الكنى ، كان دهرًا يحدثنا عن أبي سعيد الوحاظي ، فنظرنا فإذا هو عبد القدوس (15) .

ولكن يلاحظ أن تدليس اشيوخ قد يكون سببه الإغراب والتكثر من الشيوخ . وإن لم يكن الذي

عمي في الإسناد ضعيفًا . وكان يفعل ذلك سفيان الثوري . وأوهى مراتب المجهولين الذين لم يرو

عنهم إلا الضعفاء .

قال ابن حبان: أما المجاهيل الذين لم يرو عنهم إلا الضعفاء فهم متركون على الأحوال كلها (16) .

وقال (17) …: زعم ابن معين أن أبان بن عبد الله الرقاشي ضعيف ، وهذا شئ لا يتهيأ لي الحكم به ؛ لأنه لا راوي له عنه إلا ابنه يزيد ، ويزيد ليس بشئ في الحديث ، فلا أدري التخليط في خبره منه أم من أبيه ؟ على أنه لا يجوز الاحتجاج بخبره على الأحوال كلها ؛ لأنه لا راوي له غير ابنه .

قلت: ولما كانت الجهالة بهذا المعنى فإن جهابذة النقاد صيارفة الحديث تارة يصححون أحاديث المجاهيل ، وتارة يردونها ، وإليك بعض الأمثلة المصرحة بذلك:

قال عبد الخالق بن منصور: سألت يحيى بن معين عن حاجب فقلت: أترى أن أكتب عنه ؟ فقال: ما أعرفه ، أما أحاديث فصحيحة . فقلت: أترى أن أكتب عنه ؟ فقال: ما أعرفه وهو صحيح الحديث ، وأنت أعلم (18) .

وسأل الدارمي ابن معين عنه أبي دراسة ما حاله ؟ فقال: إنما يروي حديثًا واحدًا ليس به بأس (19) .

وقال ابن الجنيد: سألت يحيى عن حديث شريك عن علي بن علي عن إبراهيم قال: سمع علقمة مؤذنًا بليل ، فقال: خالف هذا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، لو بات على فراشه كان خيرًا له .

قلت ليحيى: من علي بن علي هذا ؟ قال: هذا علي بن السائب ، كوفي ثقة ، يحدث عن شريك . قلت: من يحدث عنه غير شريك ؟ قال: ما علمت أحدًا يحدث عنه غير شريك (20) .

وقال أحمد في خالد بن عمير: لا أحد روى عنه غير الأسود بن شيبان ولكنه حسن الحديث . وقال مرة: حديثه عندي صحيح (21) .

وقال في عبيد الله بن موهب التيمي: أحاديث مناكير ولا يعرف هو ولا أبوه (22) .

وقال ابن أبي حاتم: أحمد بن المنذر بن الجارود القزاز ... سألت أبي عنه فقال: لا أعرفه وعرضت عليه حديث فقال: حديث صحيح (23) .

وقال عن أحمد بن إبراهيم: أبو صالح الخراساني شيخ مجهول والحديث الذي رواه صحيح (24) .

وقال في مغيرة بن أمي البصري المنقري:لا أعلم روى عنه غير ابنه عبد العزيز وأرى حديثه مستقيمًا (25)

وقال أبو حاتم عبد الوهاب بن الحسن: أحاديث مناكير ولا أعرفه (26) .

وقال أبو داود السجستاني في يحيى بن عباد السعدي: لا أعرفه وحديثه منكر (27) .

وإني ممثل بمثالين يتضح بهما ـ إن شاء الله ـ قبول حديث المجهول ورده:

المثال الأول: حديث أبي فزارة عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن بوضوء ، فقلت: يا رسول الله ما معي إلا نبيذ في إداوة ، فقال: (( ثمرة طيبة وماء طهور ) ) (28) .

قال أبو عيسى الترمذي: وإنما روى هذا الحديث عن أبي زيد عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبو زيد رجل مجهول عند أهل الحديث ، لا تعرف له رواية غير هذا الحديث (29) .

وقال البخاري: أبو زيد رجل مجهول ، لا يعرف بصحبة عبد الله ، وروى علقمة عن عبد الله أنه قال: لم أكن ليلة الجن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقال ابن عدي: وهذا الحديث مداره على أبي فزارة عن أبي زيد عن ابن مسعود ، وأبو فزارة مشهور ، وأبو زيد مجهول ، ولا يصح هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو خلاف القرآن (30) .

وقال ابن حبان: أبو زيد يروي عن ابن مسعود ما لم يتابع عليه ، ليس يدري من هو ، لا يعرف أبوه ولا بلده . والإنسان إن كان بهذا النعت ثم لم يرو إلا خبرًا واحدًا خالف فيه الكتاب والسنة والإجماع والقياس والنظر والرأي يستحق مجانبته فيها ولا يحتج به (31) .

والحاصل إن ردّ هذا الحديث من وجوه:

الأول: تفرد أبي زيد عن ابن مسعود وليس من أصحابه . وابن مسعود له أصحاب كثر لازموه فما بالهم قد غفلوا عن هذا الحديث ؟!

وعندما تفرد خشف بن مالك عن عبد الله بن مسعود ، قال الدار قطني: وأهل العلم بالحديث لا يحتجون بخبر ينفرد بروايته رجل مجهول غير معروف ، وإنما يثبت العلم عندهم بالخبر إذا كان راويه عدلًا مشهورًا ، أو رجلًا ارتفع اسم الجهالة عنه (32) .

الثاني: مخالفة هذا الخبر لظاهر القرآن ، قال تعالى: ( فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا ) فلم تذكر الآية النبيذ .

الثالث: مخالفته لما هو ثابت عن ابن مسعود رضي الله عنه من أنه لم يشهد ليلة الجن مع النبي صلى الله عليه وسلم .

الرابع: أن هذه القصة رويت من طرق ، ولم تذكر النبيذ ، فهذه الزيادة مردودة منكرة .

(1) الجرح والتعديل (2/36) . (5) 5)

(2) سؤالات البرذعي لأبي زرعة الرازي (2/727) . (1) 1)

(3) الموقظة (79) . (2) 2)

(4) الجرح والتعديل (7/255) . (3) 3)

(5) الكفاية (24) . (4) 4)

(6) التنكيل (1/429) . (5) 5)

(7) تهذيب الكمال (28/553) . (6) 6)

(8) سؤالات أبي عبيد الآجري لأبي داود السجستاني (977 ، 978) . (1) 1)

(9) كتاب المجروحين (1/209) . (2) 2)

(10) الكامل في ضعفاء الرجال (1/68) . (3) 3)

(11) ميزان الاعتدال (4/93 ، 94) . (4) 4)

(12) الجرح والتعديل (8/273) . (5) 5)

(13) سؤالات البرذعي لأبي زرعة (2/726) . (6) 6)

(14) كتاب المجروحين (1/91) . (1) 1)

(15) مقدمة صحيح مسلم (26) . (2) 2)

(16) كتاب المجروحين (2/193) . (3) 3)

(17) كتاب المجروحين (1/98) . (4) 4)

(18) تاريخ بغداد (8/271) . (5) 5)

(19) سؤالات الدارمي ليحيى بن معين (961) . (6) 6)

(20) سؤالات ابن الجنيد ليحيى بن معين (66) . (1) 1)

(21) شرح علل الترمذي (81) . (2) 2)

(22) ميزان الاعتدال (3/11) . (3) 3)

(23) الجرح والتعديل (2/78) . (4) 4)

(24) الجرح والتعديل (2/39) . (5) 5)

(25) الجرح والتعديل (8/219) . (6) 6)

(26) ميزان الاعتدال (2/675) . (7) 7)

(27) ميزان الاعتدال (4/388) . (8) 8)

(28) الكامل لابن عدي (7/291) . (9) 9)

(29) جامع الترمذي (1/147) . (10) 10)

(30) الكامل (7/292) . (1) 1)

(31) كتاب المجروحين (3/158) . (2) 2)

(32) السنن (3/174) . (3) 3)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت