قال ابن الصلاح: اعلم أن معرفة علل الحديث من أجل علوم الحديث وأدقها وأشرفها ، وإنما يضطلع لذلك أهل الحفظ والخبرة والفهم الثاقب (1) .
وقال ابن رجب: أهل المعلم والمعرفة والسنة والجماعة ؛ إنما يذكرون علل الحديث نصيحة للدين وحفظًا لسنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصيانة لها ، وتمييزًا مما يدخل على رواتها من الغلط والسهو والوهم ، ولا يوجب ذلك عندهم طعنًا ، وغير الأحاديث المعللة بل يقوي بذلك الأحاديث السليمة عندهم لبراءتها من العلل وسلامتها من الآفات .
فهؤلاء العارفون بسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حقًا هم النقاد الجهابذة الذي ينتقدون الحديث انتقاد الصيرفي الحاذق البهرج من الخالص ، وانتقاد الجوهري الحاذق للجوهر مما دلس به (2) .
قال ابن رجب: اعلم أن معرفة صحة الحديث وسقمه تحصل من وجهين:
أحدهما: معرفة رجاله وثقتهم وضعفهم ومعرفة هذا هين ؛ لأن الثقات والضعفاء قد دونوا في كثير من التصانيف ، وقد اشتهرت بشرح أحوالهم التآليف .
الوجه الثاني: معرفة مراتب الثقات وترجيح بعضهم على بعض عند الاختلاف إما في الإسناد وإما في الوصل والإرسال ، وإما في الوقف والرفع ونحو ذلك ، وهذا الذي يحصل من معرفته وإتقانه وكثرة ممارسته الوقوف على دقائق علل الحديث (3) .
وقال الخطيب البغدادي: والسبيل على معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرفه وينظر في اختلاف رواته بمكانهم من الحفظ ، ومنزلتهم في الاتقان والضبط (4) .
وقال الحاكم: وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل ، فإن حديث المجروح ساقط واه ، وعلة الحدي تكثر في أحاديث الثقات ، أن يحدثوا بحديث له علة فيخفى علمه فيصير الحديث معلولًا ، والحجة فيه عندنا الحفظ والفهم والمعرفة لا غير (5) .
وقال الحاكم: إن الصحيح لا يعرف بروايته فقط ، وإنما يعرف بالفهم والحفظ وكثرة السماع ، وليس لهذا النوع من العلم أكثر من مذاكرة أهل الفهم والمعرفة ، ليظهر ما يخفى من علة الحديث (6) .
قلت: فينبغي الاهتمام بجمع الطرق الصحيحة للأحاديث ، ودراستها ومعرفة الطرق المسلوكة منها والغريبة .
وأما الطرق الضعيفة لا ينبغي الاهتمام بها كثيرًا إلا في بيان الضعيف والتمييز بينه وبين الصحيح .
قال أبو داود: سمعت أحمد وذكر له بريد هذا فقال أحمد: يطلبون حديثًا من ثلاثين وجهًا ، أحاديث ضعيفة ! وجعل ينكر طلب الطرق نحو هذا ، قال: شئ لا ينتفعون به أو نحو هذا الكلام .
قال ابن رجب: وإنما كره أحمد تطلب الطرق الغريبة الشاذة المنكرة ، وأما الطرق الصحيحة المحفوظة فإنه كان يحث على طلبها (7) .
ورأى أحمد بن حنبل يحيى بن معين بصنعاء وهو يكتب صحيفة معمر عن أبان بن أنس ، فإذا اطلع عليه إنسان كتمه ، فقال أحمد بن حنبل له: تكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس وتعلم أنها موضوعة ، فلو قال لك القائل: أنت تتكلم في أبان ثم تكتب حديثه على الوجه ؟! قال: رحمك الله يا أبا عبد الله ، أكتب هذه الصحيفة عن عبد الرزاق عن معمر عن أبان عن أنس وأحفظها كلها وأعلم أنها موضوعة ؛ حتى لا يحئ إنسان فيحعل بدل أبان ثابتًا ، ويرويها عن معمر عن ثابت عن أنس ، فأقول له: كذبت إنما هي أبان لا ثابت (8) .
(1) علوم الحديث (90) .1)
(2) شرح علل الترمذي (414) .2)
(3) شرح علل الترمذي (ص257) .3)
(4) الجامع لأخلاق الراوي (2/295) .4)
(5) معرفة علوم الحديث (13) .5)
(6) معرفة علوم الحديث (59) .1)
(7) شرح علل الترمذي (249) .2)
(8) كتاب المجروحين (1/31 ، 32) .3)