لقد علمت مما سبق أن النقد ليس سطحيًا على ظاهر السند ، بل يفتقر إلى الممارسة والتتبع مع الفهم ، فليس من شرط الكذاب إلا يصدق ، ولا من شرط الثقة إلا يهم ولا يرد حديثه ، ولا من ديدن الضعيف إلا يحفظ وألا يصحح حديثه ، فينبغي إلا يعترض على أطباء الحديث في علله بأشياء بديهية عند المبتدئين في هذا الفن .
قال عبد الرحمن بن مهدي: معرفة الحديث إلهام ، فلو قلت للعالم بعلل الحديث: من أين قلت هذا ؟ لم يكن له حجة (1) .
وقال أبو حاتم الرازي: معرفة الحديث كمثل فص ثمنه مائة دينار وآخر مثله على لونه ثمنه عشرة دراهم (2) .
وقال أحمد بن صالح المصري: معرفة الحديث بمنزلة معرفة الذهب والشبه فإن الجوهر إنما يعرفه أهله ، ، وليس للبصير فيه حجة إذا قيل له: كيف قلت: إن هذا ـ يعني الجيد أو الردي ـ (3) .
وقال الأوزاعي: كنا نسمع الحديث فنعرضه على أصحابنا كما نعرض الدرهم الزائف على الصيارفة ، فما عرفوا منه أخذنا ، وما انكروا منه تركنا (4) .
وقال علي بن المديني: جاء رجل إلى ابن مهدي ، فقال: يا أبا سعيد إنك تقول: هذا ضعيف ، وهذا قوي ، وهذا لا يحتج به ، فعمّ تقول ذلك ؟ فقال عبد الرحمن: لو أتيت الناقد فأريته دراهم ، فقال: هذا جيد ، وهذا نبهرج ، أكنت تسأله عمّ ذلك أو كنت تسلم الأمر إليه ؟ فقال: بل كنت أسلم الأمر إليه . فقال عبد الرحمن: هذا كذلك ، هذا بطول المجالسة والمناظرة والمذاكرة والعلم به ، قال علي: فذكرته لبعض أصحابنا فقال: أجاب جواب عالم (5) .
وربما أهل الحديث أعلم بحديث الراوي من علمه هو بحديثه .
قال زائدة: كنا نأتي الأعمش فيحدثنا فيكثر ، ونأتي سفيان الثوري فنذكر تلك الأحاديث له فيقول: ليس هذا من حديث الأعمش ، فنقول: هو حدثنا به الساعة ، فيقول: اذهبوا فقولوا له إن شئت ، فنأتي فنخبره بذلك ، فيقول: صدق سفيان ليس هذا من حديثنا (6) .
وقال عبد الرحمن بن مهدي: ذاكرني أبو عوانة بحديث ، فقلت: ليس هذا من حديثك ، فقال: لا تفعل يا أبا سعيد ، هو عندي مكتوب . قلت: فهاته . قال: يا سلامة هات الدرج ، ففتش فلم يجد شيئًا ، فقال: من أين أتيت يا أبا سعيد ؟ فقلت: هذا ذوركرت به وأنت شاب فعلق بقلبك فظننت أنك قد سمعت (7) .
وقال عباس بن محمد الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: حضرنا نعيم ابن حماد بمصر فجعل يقرأ كتابنا من تصنيفه قال: فقرأ ساعة ثم قال: حدثنا ابن المبارك عن ابن عون بأحاديث قال يحيى: قلت له: ليس هذا عن ابن المبارك ، فغضب وقال: ترد علي ؟ قال: قلت: أي والله أرد عليك أريد زينك . فأبى أن يرجع ، فلما رأيته هكذا لا يرجع ، قلت: لا والله ما سمعت أنت هاذ من ابن المبارك قط ، ولا سمعها ابن ابن المبارك من ابن عون قط . فغضب ، وغضب من كان عنده من أصحاب الحديث ، وقام فدخل البيت فأخرج صحائف فجعل يقول وهي بيده: أين الذين يزعمون أن يحيى بن معين ليس أمير المؤمنين في الحديث ؟! نعم يا أبا زكريا غلطت ، وكانت صحائف فغلطت فجعلت أكتب من حديث ابن المبارك عن ابن عون وإنما روى هذه عن ابن عون غير ابن المبارك (8) .
وعندما قال الشاقعي: ولا يستدل على أكثر صدق الحديث وكذبه إلا بصدق المخبر وكذبه إلا في الخاص القليل من الحديث .
علق البيهقي عليه بقوله: وهذا الذي استثناه الشافعي لا يقف عليه إلا الحذاق من أهل الحفظ ، فقد يزل الصدوق فيما يكتبه ، فيدخل له حديث في حديث ، فيصير حديث روي بإسناد ضعيف مركبًا على إسناد صحيح .
وقد يزل القلم ، ويخطئ السمع ويخون الحفظ فيروي الشاذ من الحديث من غير قصد ، فيعرفه أهل الصنعة الذين قيضهم الله تعالى لحفظ سنن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، على عباده بكثرة سماعه وطول مجالسته أهل العلم به ومذاكرته إياهم (9) .
وقال البيهقي: ما اختلف أهل العلم بالحديث في ثبوته ؛ فمنهم من يضعفه بجرح ظهر له من بعض رواته خفي ذلك عن غيره ، أو لم يقف من حاله على ما يوجب قبول خبره ، وقد وقف عليه غيره ، أو المعنى الذي يجرحه به لا يراه غيره جرحًا ، أو وقف على انقطاعه ، أو انقطاع بعض ألفاظه ، أو إدراج بعض رواته قول رواته في متنه ، أو دخول إسناد حديث في حديث خفي ذلك على غيره .
فهذا الذي يجب على أهل العلم بحديث بعدهم أن ينظروا في اختلافهم ، ويجتهدوا في معرفة معانيهم في القبول والرد ثم يختاروا من أقاويلهم أصحها . وبالله التوفيق (10) .
قال العلائي: وبهذه النكتة يتبين أن التعليل أمر خفي لا يقوم به إلا نقاد أئمة الحديث دون الفقهاء الذين لا اطلاع لهم على طرقه وخفاياها (11) .
وقال الحافظ بن حجر: وبهذا التقرير يتبين عظم كلام الأئمة المتقدمين وشدة فحصهم وقوة بحثهم وتقدمهم بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك والتسليم لهم فيه (12) .
وقال: وقد تقصر عبارة العلل منهم ، فلا يفصح بما استقر في نفسه من ترجيح إحدى الروايتين على الأخرى ، كما في نقد الصيرفي سواء ، فمتى وجدنا حديثًا قد حكم إمام من الأئمة المرجوح إليهم بتعليله فالأولى اتباعه في ذلك كما نتبعه في تصحيح الحديث إذا صححه .
وهذا الشافعي مع إمامته يحيل القول على أئمة الحديث في كتبه فيقول: وفيه حديث لا يثبته أهل العلم بالحديث .
وهذا حيث لا يوجد مخالف منهم لذلك المعلل ، وحيث يصرح بإثبات العلة فإما إن وجد غيره صححه فينبغي حينئذ توجه النظر إلى الترجيح بين كلاميهما .
وكذلك إذا أشار المعلل إلى العلة إشارة ولم يتبين منه ترجيح لأحد الروايتين فإن ذلك يحتاج إلى الترجيح . والله أعلم (13) .
قلت: وإذا نص على العلة وتبين أنها ليست بعلة يجتهد فيه أيضًا .
وقال المعلمي: أئمة الحديث قد يتبين لهم في حديث من رواية الثقة الثبت المتفق عليه أنه ضعيف ، وفي حديث من رواية من هو ضعيف عندهم أنه صحيح ، والواجب على من دونهم التسليم لهم ، وأولى من ذلك إذا كان الراوي وسطًا كالنهشلي وابن أبي الزناد (14) . والله تعالى أعلم .
تمّ والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
(1) علل الحديث لابن أبي حاتم (1/9) ، ومعرفة علوم الحديث (13) .1)
(2) علل الحديث لابن أبي حاتم (1/9) .2)
(3) علل الحديث لابن أبي حاتم (1/9) .3)
(4) شرح علل الترمذي (130) .4)
(5) تهذيب الكمال (17/439) ، ونحوه في الكامل لابن عدي (1/109) .5)
(6) الجرح والتعديل (2/71) .6)
(7) كتاب المجروحين (1/54) .1)
(8) الكفاية في علم الرواية (146) .2)
(9) دلائل النبوة للبيهقي (1/30) .3)
(10) دلائل النبوة (1/38) .1)
(11) النكت على كتاب ابن الصلاح (297) .2)
(12) النكت على كتاب ابن الصلاح (304) .3)
(13) النكت على كتاب ابن الصلاح (295 ، 296) .4)
(14) التنكيل (2/32) .5)