المتابعة تفيد تقوية الضعيف غير المنكر ، بوروده من جهة أخرى صالحة للاعتبار ، إن غلب على الظن أن تعدد الطرق يفيد صحته ، وهي على قسمين:
الأول: تقوية لفظ الحديث ، إذا كانت تلك الأسانيد لحديث واحد ، وبذلك يكون الحديث صحيحًا ، وكلما عظمت أهمية الحديث احتاج إلى متابعة قوية .
الثاني: تقوية معنى الحديث ، بورود أخارى بمعناه ، ويكون المعنى صحيحًا ، وهذا لا يفيد في تصحيح لفظ الحديث ، ونسبته إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
واعلم أن الذي يحتاج إلى متابعة ثلاثة أشياء: الراوي الضعيف المعتبر به غير المتروك ، والحديث المرسل ، والشيخ حينما يكون تفرده منكرًا ـ وسبق شرحه ـ والكل على درجات في الضعف أيضًا .
فأما الأول: وهو الضعيف الذي يقبل في الشواهد ولم يسقط ، وذلك لجبر حديثه ؛ فإن تفردات الضعفاء لا يحتج به .
قال الجوزجاني: ومنهم الضعيف في حديثه غير سائغ لذي دين أن يحتج بحديثه وحده إلا أن تقوية من هو أقوى منه فحينئذ يعتبر به (1) .
وقال: إذا كان الحديث المسند من رجل غير مقنع ـ يعني لا يقنع برواته ـ وشدّ أركانه المراسيل بالطرق المقبولة عند ذوي الاختيار ، استعمل واكتفى به ، وهذا إذا لم يعارض المسند الذي هو أقوى منه (2) .
قال أبو عيسى الترمذي: كل من روي عنه حديث ممن يتهم بالكذب أو يضعف لغفلته وكثرة خطئه ، ولا يعرف ذلك الحديث إلا من حديثه فلا يحتج به (3) .
وقال: وكذلك من تكلم من أهل العلم في مجالد بن سعيد وعبد الله بن لهيعة وغيرهم ، إنما تكلموا فيهم من قبل حفظهم وكثرة خطئهم ، وقد روى عنهم غير واحد من الأئمة فإذا تفرد أحد من هؤلاء يحدث ولم يتابع عليه لم يحتج به ، كما قال أحمد بن حنبل: ابن أبي ليلى لا يحتج به ، إنما عنى إذا تفرد بالشئ ، وأشد ما يكون هذا لم يحفظ الإسناد فزاد في الإسناد أو نقص أو غير الإسناد أو جاء بما يتغير فيه المعنى (4) .
قلت: من تكلم فيه من جهة حفظه غالبًا لا ينزلون عن درجة الاعتبار ، وكلما اشتد ضعف الراوي في ضبطه احتاج إلى متابعة قوية ، إلا إن جرح في عدالته فلا يعتبر به .
والثاني: المرسل ، فإنه يحتمل أن يكون الساقط من سنده ويحتمل أن يكون ضعيفًا .
قال الشافعي: المنقطع مختلف ؛ فمن شاهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من التابعين ، فحدث حديثًا منقطعًا عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم اعتبر عليه بأمور:
منها: أن ينظر إلى ما أرسل من الحديث شركه فيه الحفاظ المأمونون فأسندوه إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمثل معنى ما روي كانت هذه دلالة على صحة من قبل عنه وحفظه .
وإن انفرد بإرسال حديث لم يشركه فيه من يسنده قبل ما ينفرد به من ذلك . ويعتبر عليه بأن ينظر: هل يوافقه مرسل غيره ممن قبل العلم عنه من غير رجاله الي قبل عنهم ؟
فإن وجد ذلك كانتت دلالة يقوى له مرسله ، وهي أضعف من الأولى . وإن لم يوجد ذلك نظر إلى بعض ما يروى عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قولًا له ، فإن وجد يوافق ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كانت في هذه دلالة على أنه لم يأخذ مرسله إلا عن أصل يصح ، إن شاء الله .
وكذلك إن وجد عوام من أهل العلم يفتون بمثل معنى ما روي عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
ثم يعتبر عليه بأن يكوييني إذا سمى من روى عنه لم يسم مجهولًا ولا مرغوبًا عن الرواية عنه ، فيستدل بذلك على صحته فيما روى عنه .
ويكون إذا شرك أحدًا من الحفاظ في حديث لم يخالفه ، فإن خالفه وجد حديثه أنقص كانت في هذه دلائل على صحة مخرج حديثه .
ومتى خالف ما وصفت أضر بحديثه ، حتى لا يسع أحدًا منهم قبول مرسله . وإذا وجدت الدلائل بصحة حديثه بما وصفت أحببنا أن نقبل مرسله .
ولا نسطتيع أن نزعم أن الحجة تثبت به ثبوتها بالمتصل ، وذلك أن معنى المنقطع يحتمل أن يكون حمل عمّن يرغب عن الرواية عنها إذا سمي ، وأن بعض المنقطعات ـ وإن وافقه مرسل مثله ـ فقد يحتمل أن يكون مخرجها واحدًا من حيث لم سمي لم يقبل ، وإن قول بعض أصحاب صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا قال برأيه لو وافقه يدل على صحته مخرج الحديث ، دلالة إذا نظر فيها ويمكن أن يكون إنما غلط به حين سمع قول بعض أصحاب النبي يوافقه ، ويحتمل مثل هذا فيمن وافقه من بعض الفقهاء .
فأما من بعد كبار التابعين الذين الذين كثرت مشاهدتهم لبعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا أعلم منهم واحدًا يقبل مرسله لأمور:
أحدها: أنهم أشد تجوزًا فيمن يروون عنه .
والآخر: كثرة الإحالة ، كان أمكن للوهم وضعف من يقبل عنه (5) .
قال: ومن نظر في العلم بخبرة وقلة غفلة استوحش من مرسل كل من دون كبار التابعين ، بدلائل ظاهرة فيها (6) . انتهى كلامه رحمه الله .
ومن الأخبار ماي يطرح ولا يتقوى ؛ كرواية الكذابين والمتروكين وأهل الفسق ، فلا يعتبر بروايتهم ولا تقوى بها الأخبار .
قال المعلمي: زوال التهمة عن الراوي كان سند المتابعة مقبولًا ، أما إذا كان ساقطًا فلا يدفع التهمة بل يقال: بعضهم وضع وبعضهم سرق أو وهم أو لقن أو أدخل عليه ، على أنه إن كان مقبولًا والمروي منكرًا فإن الراوي يبرأ وتلصق التهمة بمن فوقه (7) .
وإن كان من المتابع واهمًا في حديثه قلا يقوى به الحديث ، وإنما ينهض الحديث إذا كان ضعفه محتملًا ويرجى فيه السلامة من الوهم .
كزيادة (( وبركاته ) )، قال: حدثنا الفضل بن الحباب ، حدثنا محمد بن كثير ، أخبرنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله بن مسعود ، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يسلم عن يمينه وعن يساره حتى يرى بياض خده: (( السلام عليكم ورحمة الله ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ) ).
وتابعه همام عن عطاء بن السائب ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن عبد الله بن مسعود (8) .
ولا طريق آخر عن عبد الملك بن الوليد بن معدان ، عن عاصم بن بهدالة ، عن زر بن حبيش وأبي وائل ، عن عبد الله بن مسعود ، قال كأني أنظر إلى بياض خد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يسلم عن يمينه (( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وعن يساره السلام عليكم ورحمة الله(9)
ولها طريق آخر خرجه الدار قطني (10) ، من طريق عبد الوهاب بن مجاهد بن جبر عن أبيه حدثني ابن أبي ليلى وأبو مهمر قال: علمني ابن مسعود التشهد وقال: علمنيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما يعلمنا السورة من القرآن ... وذكر وزاد في آخره: (( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ) ). وقال الدار قطني: ابن مجاهد ضعيف الحديث .
ولها شاهد من حديث وائل بن حجر ، أخرجه أبو داود من طريق موسى بن قيس الحضرمي ، عن سلمة بن كهيل ، عن علقمة بن وائل ، عن أبيه قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فكان يسلم عن يمينه: (( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ) )، وعن شماله: (( السلام عليكم ورحمة الله ) ) (11) .
ولكن لا يفرح بكثرة هذه الطرق ؛ لأنها لا يقوي بعضها بعضًا .
فأما رواية عطاء بن السائب ، فإنه اختلط اختلاطًا شديدًا ، وقال أبو حاتم الرازي: وفي حديث البصريين الذين يحدثون عنه تخاليط كثيرة ؛ لأنه قدم عيلهم في آخر عمره (12) . وهمام بم يحيى البصري رواه عنه بعد الاختلاط ، وخالف الناس في هذا الحديث فوقفه وهو مرفوع ، وزاد زيادة لم يذكرها الأثبات عن عبد الله بن مسعود ، كما سيأتي .
وأما عبد الملك بن الوليد بن معدان (13) فهو ضعيف ، وله حديث آخر تفرد به عن عاصم بن بهدلة ووهم فيه ، كما وهم في هذا الحديث ، فقد تفرد به عن عاصم بهذه الزيادة ولم يتابعه عليه أحد ، وخولف فقد روي هذا الحديث من طرق ولم تذكر هذه الزيادة كما سيأتي .
وأما رواية الفضل بن الحباب ، وهو ثقة أخباري وله أوهام كما في لسان الميزان لابن حجر (14) ، وخالفه أبو داود ، وهو أثبت منه وأحفظ ، فرواه عن محمد بن كثير بن ولم يذكر هذه الزيادة ورواه ابن مهدي ووكيع عن سفيان الثوري ولم يذكروها .
ورواه زائدة بن قدامة وأبو الأحوص وعمرو بن عبيد الطنافسي وشريك وإسرائيل والحسين بن واقد وعلي بن صالح وزهير عن أبي إسحاق السبيعي ، ولم يذكروها .
وروى هذا الحديث مسروق بن الأجدع وأبو الأحوص وعلقمة والأسود ابن يزيد النخعي عن عبد الله بن مسعود ولم يذكروها (15) .
وأما رواية عبد الوهاب بن مجاهد (16) ، فقد كذبه سفيان الثوري ، وقال ابن الجوزي: أجمعوا على ترك حديثه .
وحديث عبيد الله بن مسعود في التشهد مشهور وروي من طرق عدة ولم تذكر هذه الزيادة فيه (17) فهي زيادة شاذة .
وأما حديث وائل بن حجر ، فقد وهم فيه موسى بن قيس الحضرمي وخالفه شعبة ـ وشك فيه ـ وسفيان الثوري وعلي بن صالح والعلاء بن صالح الأسدي فرووه عن سلمة بن حجر بن العنبس عن وائل ، ولم يذكروها ، وكذا الرواة عن وائل بن حجر لم يذكروا هذه الزيادة ، ومنهم عبد الرحمن بن اليحصبي وعلقمة بن وائل (18) .
(1) أحوال الرجال (33) .2)
(2) جامع العلوم والحكم (2/210) .3)
(3) العلل الصغير (742) .4)
(4) اعللل الصغير (746) .1)
(5) الرسالة برقم: (1263 ، 1277) .1)
(6) الرسالة برقم: (1284) .2)
(7) التنكيل (1/175) .3)
(8) مسند الطيالسي (286) .4)
(9) أخرجه الطبراني (6/127) وأبو يعلى (8/464) .5)
(10) سنن الدار قطني (1/354) .1)
(11) سنن أبي داود (997) .2)
(12) الجرح والتعديل (6/334) .3)
(13) تهذيب الكمال (18/431 ـ 433) .4)
(14) لسان الميزان (6/ 18 ، 19) .5)
(15) أخرجه الإمام أحمد (1/386 ، 406 ، 408 ، 418 ، 427 ، 448) وأبو داود (996) ، والترمذي (295) ، والنسائي (3/62 ، 63) ، وابن ماجه (914) ، وأبو بكر بن أبي شيبة في المصنف (1/265 ، 266) ، والدار قطني في السنن (1/356 ، 357) ، والبيهقي (2/251 ، 252) .
(16) تهذيب التهذيب (6/395) .2)
(17) أخرجه البخاري (831) ، ومسلم (402) وغيرهما .3)
(18) أخرجه الإمام أحمد (4/316 ، 317) ، وأبو بكر بن أبي شيبة في المصنف (1/265 ، 266) ، والترمذي (248 ، 249) ، والبيهقي (2/254) .4)