فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 40

الثاني: الفسق بالاعتقاد:

وهو أصحاب البدع ، من الخوارج والقدرية والشيعة والمرجئة وغيرهم . فهؤلاء إن أخرجتهم بدعتهم عن حد العدالة فلا يقبل حديثه . والله أعلم .

قال الإمام مسلم بن الحجاج: واعلم ـ وفقك الله تعالى ـ أن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها ، وثقات الناقلين لها من المتهمين ، أن لا يروي منها إلا ما عرف صحة مخارجه ، والستارة في ناقليه ، وأن يتقي منها ما كان عن أهل التهم والمعاندين من أهل البدع .

والدليل على أن الذي قلنا من هذا ، هو اللازم دون ما خالفه قول الله عز وجل ذكره: ( يا أيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) [ الحجرات:6) . وقال جل ثناؤه: ( ممن ترضون من الشهداء ) [ البقرة:282] . وقال عز وجل: ( وأشهدوا ذوى عدل منكم ) [ الطلاق:2] .

فدل بما ذكرنا من هذه الآيات أن خبر الفاسق ساقط غير مقبول ، وأن شهادة غير العدل مردودة .

والخبر وإن فارق معنى الشهادة ؛ فقد يجتمعان في اعظم معانيها ؛ إذ كان خبر الفاسق غير مقبول عن أهل العلم كما أن شهادته مردودة عن جميعهم (1) .

قال ابن حبان: ومن المجروحين ، المبتدع إذا كان داعية يدو الناس إلى بدعته حتى صار إمامًا يقتدى به في بدعته ويرجع إليه في ضلالته كغيلان ، وعمرو بن عبيد ، وجبر الجعفي ، وذويهم (2) .

قال ابن الجنيد: سأل رجل يحيى عن يونس بن خباب ؟ فقال: ليس بذاك ، كان يشتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، كان يشتم عثمان ، ومن شتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فليس بثقة (3) .

فالبدعة قادحة في العدالة ؛ إلا أن التأول لا يجعله من المعاندين ، ومن ثبت صدقه لا يخشى منه الكذب ، فلنا حديثه وعليه بدعته .

فيقبل حديث الثقات ممن رمى ببدعة سواء كان داعية إلى بدعته أو غير داعية ، ما دام متأولًا غير معاند ، إذا لم يرو حديثًا منكرًا يؤيد بدعته .

قال الجوزجاني: وكان قوم يتكلمون في القدر منهم من يزن (4) ويتوهم عليه ، احتمل الناس حديثهم لما عرفوا من اجتهادهم في الدين وصدق ألسنتهم وأمانتهم في الحديث ، لم يتوهم عليهم الكذب ، ، وإن بلوا بسوء رأيهم (5) .

وقال سليمان بن أحمد الواسطي: قلت لعبد الرحمن بن مهدي: سمعتك تحدث عن رجل ، أصحابنا يكرهون الحديث عنه ، قال: من هو ؟ قلت: محمد ابن راشد الدمشقي . قال: ولم ؟ قلت: كان قدريًا . فغضب وقال: ما يضره (6) .

وقال الحين بن إدريس: وسألته ـ يعني محمد بن عبد الله بن حماد الموصلي ـ عن علي بن غراب ، فقال: كان صاحب حديث بصيرًا به ، قلت: أليس هو ضعيف ؟ قال: إنه كان يتشيع ولست أنا بتارك الرواية عن رجل صاحب حديث يبصر الحديث ، بعد أن لا يكون كذوبًا للتشيع أو القدر ، ولست براو عن رجل لا يبصر الحديث ولا يعقله ، ولو كان أفضل من فتح ـ يعني الموصلي (7) ـ انتهى .

قلت: لأن العبرة بضبطه للحديث ، وترك حديثه الصحيح رد للسنة النبوية ، كما قال الذهبي في أبان بن تغلب: كوفي شيعي جلد ، لكنه صدوق ، قلنا صدقه وعليه بدعته (8) .

وقال علي بن المديني: قلت ليحيى بن سعيد القطان: إن عبد الرحمن بن مهدي قال: أنا أترك من أهل الحديث ممن كان رأسًا في البدعة ، فضحك يحيى بن سعيد فقال: كيف يصنع بعمر بن ذر الهمداني وبابن أبي رواد ؟ ! وعدّ يحيى قومًا أمسكت عن ذكرهم ، ثم قال يحيى: إن ترك عبد الرحمن بن مهدي هذا الضرب ترك خيرًا كثيرًا (9) .

وقال ابن المديني: لو تركت أهل البصرة لحال القدر ولو تركت أهل الكوفة لذلك الرأي ـ يعني التشيع ـ لخربت الكتب . قال الخطيب: قوله خربت الكتب يعني لذهب الحديث (10) .

وقال أبو حاتم بن حبان: ولو عمدنا إلى ترك حديث الأعمش وأبي إسحاق وعبد الملك بن عمير وأضرابهم لما انتحلوا ، وإلى قتادة وسعيد بن أبي عروبة وابن أبي ذئب وأشباههم بما تقلدوا ، وإلى عمر بم ذر وإبراهيم التيمي ومسعر ابن كدام وإخوانهم بما اختاروا ، فتركنا حديثهم لمذاهبهم ، لكان ذلك ذريعة إلى ترك السنن كلها حتى لا يحصل في أيدينا من السنن إلا الشئ اليسير ، وإذا استعملنا ما وصفنا أعنا على دحض السنن وطمسها (11) .

قلت: والعلة في رد حديث المبتدع هي خشية ولوغه في الكذب لنصرة رأيه ، وهذا منتف ـ ولله الحمد ـ ممن وثقه العلماء .

قال الحاكم: وأصحاب الأهواء رواياتهم عند أكثر أهل الحديث مقبولة إذا كانوا فيها صادقين ، واتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بأبي معاوية محمد بن خازم وعبيد الله بن موسى وقد اشتهر عنهما الغلو (12) .

ووثق العلماء معبد الجهني وهو أول من دعا إلى القدر . قال يحيى بن معين: ثقة ، وقال الدار قطني: حديثه صالح ومذهبه ردئ . وقال العجلي: تابعي ثقة كان لا يتهم بالكذب (13) .

وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد وثقة الإمام يحيى بن معين وغيره وقال أبو داود: ثقة داعية إلى الإرجاء (14) .

وقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه: عن عدي بن ثابت عن زر قال: قال علي: والذي فلق الحبة

وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي صلى اله عليه وسلم إلى أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلامنافق (15)

وقال ابن معين في عدي بن ثابت: شيعي مفرط .

قلت: ومع تأييد روايته لمذهبه ، صحح مسلم حديثه لعدم نكارته (16) .

وقال المعلمي: والمقصود هنا أن من لا يؤمن منه تعمد التحريف والزيادة والنقص على أي وجه كان فلم تثبت عدالته ، فإن كان كل من اعتقد أمرًا ورأى أنه الحق وأن القربة إلى الله تعالى في تثبيته لا يؤمن منه ذلك فليس في الدنيا ثقة ، وهذا باطل قطعًا ، فالحكم به على المبتدع إن قامت الحجة على خلافه بثبوت عدالته وصدقه وأمانته فباطل ، وإلا وجب أن لا يحتج بخبرة ألبتة ، سواء أوافق بدعته أم خالفها (17) . انتهى .

لكن إن كان الخبر المؤي لبدعته منكرًا فإنه يرد .

قال الحافظ الجوزجاني: ومنهم زائغ عن القصد صدوق اللهجة قد جرى في الناس حديثه إذ كان مخذولًا في بدعته مأمونًا في روايته فهؤلاء ليس فيهم حيلة إلا أن يؤخذ منهم ما يعرف إذا لم يقوي بدعته فيتهم به عند ذلك (18) .

وقال أيضًا: فما روى من هؤلاء مما يقوي مذهبهم عن مشايخهم المغموزين وغير الثقات المعروفين ، فلا ينبغي أن يغتر بهم الضنين بدينه ، الصائن لمذهبه ، خيفة أن يختلط الحق المبين بالباطل الملتبس ، فلا لهؤلاء قولًا هو أصدق من هذا (19) .

وقال المعلمي: المروي المقوي لبدعة راويه ، إما غير منكر ، فلا وجه لرده فضلًا عن رد راويه ، وإما منكر ، فحكم المنكر معروف ، وهو أنه ضعيف ، فأما راويه فإنه اتجه الحمل عليه بما ينافي العدالة كرميه بتعمد الكذب أو اتهامه به سقط ألبته ، وإن اتجه الحمل على غير ذلك كالتدليس المغتفر والوهم والخطأ لم يجرح بذلك ، وإن تردد الناظر ـ وقد ثبتت العدالة ـ وجب القبول ، وإلا أخذ بقول من هو أعرف منه وأوقف (20) . انتهى .

ولا يمكن لرجل أن يدخل حديثًا ويوثقه الحفاظ أبدًا ، فمدار القبول في رواية المبتدع على التوثيق لا غير .

قال عمر الناقد: دين النبي صلى الله عليه وسلم لا يحتمل الدنس ـ يعني الكذب (21) ـ .

قال سفيان الثوري رحمه الله: لو هم الرجل أن يكذب في الحديث في جوف الليل لأظهر الله عليه (22)

وقال: من هم أن يكذب في الحديث سقط حديثه (23) .

وقال أيضًا: إني لأحسب رجلًا لو حدث نفسه بالكذب في الحديث لعرف به (24) .

وقال أبو نعيم الفضل بن دكين: قال سفيان الثوري: من كذب في الحديث افتضح . قال أبو نعيم: وأنا أقول: من همّ أن يكذب افتضح (25) .

وقيل لابن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة ؟ قال: يعيش لها الجهابذة (26) .

وقال عبد الرحمن بن مهدي: لو أن رجلًا همّ أن يكذب في الحديث أسقطه الله عز وجل (27) .

وقال المعلمي: ومن مارس أحوال الراوية وأخبار رواة السنة وأئمتها علم أن عناية الأئمة بحفظها وحراستها ونفي الباطل عنها والكشف عن دخائل الكذابين والمتهمين كانت أضعاف عناية الناس بأخبار دنياهم ومصالحها (28) .

(1) مقدمة صحيح مسلم (8 ، 9) . (4) 4)

(2) كتاب المجروحين (1/82) . (1) 1)

(3) سؤالات ابن الجنيد ليحيى بن معين (559 ، 869) (2) 2)

(4) يزن: يظن . (3) 3)

(5) أحوال الرجال (181) . (4) 4)

(6) الكفاية (129) . (5) 5)

(7) الكفاية (130) . (6) 6)

(8) ميزان الاعتدال (1/5) . (7) 7)

(9) الكفاية (129) . (1) 1)

(10) الكفاية (129) . (2) 2)

(11) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (1/160) . (3) 3)

(12) المدخل إلى كتاب الإكليل (42) . (4) 4)

(13) تهذيب الكمال (28/244) . (5) 5)

(14) ميزان الاعتدال (2/648) . (6) 6)

(15) صحيح مسلم برقم (78) . (1) 1)

(16) وانظر التنكيل (1/50 ، 51) . (2) 2)

(17) التنكيل (1/48) . (3) 3)

(18) أحوال الرجال (32) . (4) 4)

(19) أحوال الرجال (82) . (5) 5)

(20) التنكيل (1/51) . (6) 6)

(21) الكفاية (36) . (1) 1)

(22) كتاب المجروحين لابن حبان (1/25) . (2) 2)

(23) كتاب المجروحين لابن حبان (1/21) . (3) 3)

(24) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (2/8) . (4) 4)

(25) كتاب المجروحين لابن حبان (1/117 ، 118) . (5) 5)

(26) الجرح والتعديل (2/18) ، والكامل (1/103) . (6) 6)

(27) الجامع للخطيب (2/8) . (7) 7)

(28) التنكيل (1/47) . (8) 8)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت