فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 40

وإذا لم يصرح المحدث بالتحديث والسماع ممن فوقه في الإسناد اشترط لاتصاله ألا يكون مدلسًا غلب عليه التدليس في الإسناد .

قال الخطيب البغدادي: إن الإرسال للحديث ليس بإبهام من المرسل كونه سامعًا ممن لم يسمع منه وملاقيًا لمن لم يلقه ، إلا أن التدليس متضمن للإرسال لا محالة من حيث كان المدلس ممسكًا عن ذكر من بينه وبين من دلس عنه ، وإنما يفارق حاله حال المرسل بإبهامه السماع ممن لم يسمع منه فقط ، وهو الموهن لأمره ، فوجب كون هذا التدليس متضمنًا للإرسال ، والإرسال لا يتضمن التدليس ؛ لأنه لا يقتضي إيهام السماع ممن لم يسمع منه ، ولهذا المعنى لم يذم العلماء من أرسل الحديث وذموا من دلسه (1) .

قلت: والتدليس من الراوي هو أن يسقط الواسطة بينه وبين من لقيه ، أو الواسطة بينه وبين من عاصره ولم يلقه ، أو يسقط شيخ شيخه ، ويسوي الإسناد بعن ويصير عاليًا .

فالأول: ( وهو من دلس عمن سمع منه ) : يشترط فيه التصريح بالسماع في كل حديث ، وإلا توقف في روايته .

ولكن تحمل روايته لازمه متصلة (2) . كرواية هشيم عن حصين ، والوليد بن مسلم عن الأوزاعي ، وابن جريج عن عطاء ونافع .

قال الإمام أحمد: هشيم لا يكاد يسقط عليه شئ من حديث حصين ولا يكاد يدلس عن حصين (3)

وقال مروان بن محمد: إذا كتبت حديث الأوزاعي عن الوليد بن مسلم فما تبالي من فاتك .

وقال: كان الوليد بن مسلم عالمًا بحديث الأوزاعي (4) .

وقال يحيى بن سعيد القطان: ابن جريج أثبت من مالك في نافع .

وقال الإمام أحمد: عمرو بن دينار وابن جريج أثبت في عطاء (5) .

والثاني: من أنواع التدليس ( وهو الإرسال بين المتعاصرين ) :

يشترط فيه التصريح بالسماع عمن عاصره ، ولو في حديث واحد ؛ لأنه حينئذ قد لقيه فلا يدلس

عنه ، وتحمل روايته عمن سمع منه على الاتصال .

…والمحدثون يسمون هذا الإرسال الخفي تدليسًا ، وكثير ممن وصف بالتدليس تدليسه من هذا النوع ، ومنه: مكحول الشامي ، والحسن البصري ، وسعيد بن أبي عروبة ، وأبو إسحاق السبيعي ، وإبراهيم النخعي ، ويحيى بن أبي كثير ، وقتادة ، وأبو الزبير المكي ، والزهري ، وهشيم .

…ولذلك اشترط الإمام مسلم ـ رحمه الله ـ في قبول العنعنة في المتعاصرين ألا يكون الراوي عمن عاصره مدلسًا ، حيث قال: وما علمنا أحدًا من أئمة السلف ممن يستعمل الأخبار ويتفقد صحة الأسانيد وسقمها ، مثل أيوب السختياني وابن عون ومالك بن أنس وشعبة بن الحجاج ويحي بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي ومن بعدهم من أهل الحديث ، فتشوا عن موعد السماع في الأسانيد ، وإنما كان تفقد من تفقد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنهم إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس وشهر به ، فحينئذ يبحثون عن سماع في روايته ويتفقدون ذلك منه ، كي تنزاح عنهم علة التدليس ، فمن ابتغى ذلك من غير مدلس على الوجه الذي حكينا قوله فما سمعنا ذلك عن أحد ممن سمينا ولم نسم من الأئمة (6) .

وقال الحاكم: الأحاديث المعنعنة وليس فيها تدليس ، هي متصلة بإجماع أئمة أهل النقل ، على تورع رواتها عن أنواع التدليس (7) .

والثالث: ( وهو تدليس التسوية ) (8) وهو لم يغلب على من اتصف به .

قال أبو حاتم بن حبان ـ رحمه الله ـ: قد ظهر أقوم من المتأخرين يسوقون الأخبار ، فإذا كان بين الثقتين ضعيف ، واحتمل أن يكون الثقتان رأى أحدهما الآخر ، أسقطوا الضعيف من بينهما حتى يتصل الخبر ،

فإذا سمع المستمع خبر أسام رواته ثقات اعتمد عليه وتوهم أنه صحيح (9) .

وقال الخطيب البغدادي ـ رحمه الله ـ: وربما لم يسقط المدلس اسم شيخه الذي حدثه ، لكنه يسقط ممن بعده في الإسناد رجلًا يكون ضعيفًا في الرواية أو صغير السن يحسن الحديث بذلك ، وكان سليمان الأعمش وسفيان الثوري وبقية بن الوليد يفعلون هذا (10) . انتهى .

كالحديث الذي رواه إسحاق بن راهويه عن بقية قال: حدثني أبو وهب الأسدي قال: حدثنا نافع عن ابن عمر قال: لا تحمدوا إسلام المرء حتى تعرفوا رأيه .

قال أبو حاتم الرازي: هذا الحديث له علة قلّ من يفهمها ، روى هذا الحديث عبيد الله بن عمرو عن إسحاق بن أبي فروة عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعبيد الله بن عمر وكنيته أبو وهب وهو أسدي ، فكأن بقية بن الوليد كنى عبيد الله بن عمرو ونسبه إلى بني أسد لكيلا يفطن به ، حتى إذا ترك إسحاق ابن أبي فروة من الوسط لا يهتدى إليه ، وكان بقية من أفعل الناس لهذا . وأما ما قال إسحاق في روايته عن بقية عن أبي وهب: حدثنا نافع ، وهم . غير أن وجهه عندي أن إسحاق لعله حفظ عن بقية هذا الحديث ، ولما يفطن لما عمل بقية من تركه إسحاق من الوسط وتكنيته عبيد الله بن عمرو ، فلم يفتقد لفظة بقية في قوله حدثنا نافع أو عن نافع (11) .

وقال عثمان بن سعيد الدارمي: سئل يحيى بن معين عن الرجب يلقي الرجل الضعيف من بين الثقتين يوصل الحديث ثقة عن ثقة ، ويقول: أنقص من الحديث وأصل ثقة عن ثقة يحسن الحديث بذاك ؟ فقال: لا يفعل ، لعل الحديث عن كذاب ليس بشئ ، فإذا هو قد حسنه وثبته ولكن يحدث به كما روى .

قال عثمان: وكان الأعمش ربما فعل ذلك (12) .

وقال الدار قطني: الوليد بن مسلم ، يروي عن الأوزاعي أحاديث عند الأوزاعي عن شيوخ ضعفاء عن شيوخ قد أدركهم الأوزاعي ؛ مثل نافع وعطاء والزهري ، فيسقط أسماء الضعفاء ويجعلها عن الأوزاعي عن نافع ، وعن الأوزاعي عن عطاء والزهري يعني: مثل عبد الله بن عامر الأسلمي وإسماعيل بن مسلم (13) .

ولا يتوقف في قبول عنعنة المدلس إلا عند من غلب عليه التدليس .

قال يعقوب بن شيبة السدوسي: سألت علي بن المديني عن الرجل يدلس أيكون حجة فيما لم يقل حدثنا ؟ قال: إذا كان الغالب عليه التدليس فلا ، حتى يقول: حدثنا (14) .

وقال أبو زرعة عن مبارك بن فضالة: يدلس كثيرًا ، فإذا قال: حدثنا فهو ثقة (15) .

وقال أبو حاتم الرازي في سويد الحدثاني: كان صدوقًا وكان يدلس ، يكثر ذلك ، يعني التدليس (16)

قلت: فلا تهدر رواياته بالعنعنة ونحوها عمن سمع منهم كلها ، إذا كان قليل التدليس ، فإذا أكثر كان تدليسه قادحًا ضارًا في الاتصال إذا لم يذكر التحديث .

…ومما يستدل به على قلة تدليس الراوي نزوله في حديثه عن شيوخه الذين سمع منهم . كرواية ابن جريج ، قال: أخبرني عبيد الله بن حفص أن عمر بن نافع أخبره عن نافع مولى عبد الله (17) .

قال الحافظ ابن حجر: نزل ابن جريج في هذا الإسناد درجتين ، وفيه دلالة على قلة تدليسه (18) .

وقال يعقوب بن شيبة: سألت يحيى بن معين عن التدليس ، فكرهه وعابه . قلت له: أيكون المدلس حجة فيما روى أو حتى يقول: حدثنا وأخبرنا ؟ فقال: لا يكون حجة فيما دلس (19) .

قلت: فإذا كان الراوي مكثرًا من التدليس وروى بصيغة محتملة وأمن جانب تدليسه باستقامة حديثه سندًا ومتنًا قبلنا خبره ، وإن كان مقلًا وعلمنا تدليسه أو ارتبنا من سماعه من شيخه ، توقفنا فيه ، أو رددنا خبره إذا كانت الواسطة رجلًا ضعيفًا .

قال الدار قطني: تجنب تدليس ابن جريج ؛ فإنه لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح ، مثل إبراهيم بن أبي يحيى وموسى بن عبيدة وغيرهما ، وأما ابن عيينة فكان يدلس عن الثقات (20) .

قال يعقوب بن شيبة: التدليس ؛ جماعة من المحدثين لا يرون به بأسًا ، وكرهه جماعة منهم ، ونحن نكرهه ، ومن رأى التدليس منهم فإنما يجوزه عن الرجل الذي سمع منه ويسمع من غيره عنه ما لم يسمعه منه ، فيدلسه يرى أنه قد سمع منه ،ولا يكون ذلك أيضًا عندهم إلا عن ثقة،فأما من دلس عن غير ثقة وعمن لم يسمع هو منه فقد جاوز حد التدليس الذي رخص فيه من رخص من العلماء (21) .

.انتهى .

وكذلك يدقق في ذكر الخبر والسماع عندما يكون الحديث منكرًا ، لا تحتمله حال الراوي .

قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عن عبد الوهاب بن عطاء الخفاف ؟ فقال: روى عن ثور بن يزيد حديثين ليسا من حديث ثور ، ذكر عن يحيى بن معين هذين الحديثين ، فقال: لم يذكر فيها الخبر (22) .

وقال صالح بن محمد الأسدي: أنكروا الخفاف حديثًا رواه لثور بن زيد عن مكحول كريب عن ابن عباس ، حديثًا في فضل العباس ، وما أنكروا عليه غيره ، فكان يحيى بن معين يقول: هذا موضوع وعبد الوهاب لم يقل فيه: حدثنا ثور ، ولعله دلس فيه وهو ثقة (23) .

قلت: ورواية الأئمة الحفاظ عن المدلس مما يقوي حديثه ، فإنهم ينتقون ويميزون وليسوا كحاطب ليل ؛ ولا يحدثون بكل ما سمعوا ، فإنه لا يكون إمامًا في العلم من حدث بكل ما سمع .

قال الحاكم: وأخبار المدلسين كثيرة ، وضبط الأئمة عنهم ما لم يدلسوا ، والتمييز بين ما دلسوا وما لم يدلسوا ظاهر في الأخبار (24) .

وقال أبو داود السجستاني: ربما يجئ الإسناد فيعلم من حديث غيره أنه غير متصل ، ولا يتنبه إلا بأن يعلم الأحاديث ، ويكون له فيه معرفة ، فيقف عليه ، مثل ما يروى عن ابن جريج قال: أُخبرت عن الزهري ، ويرويه البرساني عن ابن جريج عن الزهري ، فالذي يسمع يظن أنه متصل ، ولا يصح بتة (25) .

(1) الكفاية (357) . (3) 3)

(2) انظر: ميزان الاعتدال (2/224) . (4) 4)

(3) شرح علل الترمذي (312) . (5) 5)

(4) تهذيب بالكمال (31/93) . (1) 1)

(5) تهذيب الكمال (18/348) . (2) 2)

(6) مقدمة صحيح الإمام مسلم (1/32 ، 33) . (3) 3)

(7) معرفة علوم الحديث للحاكم (34) . (4) 4)

(8) شرح علل الترمذي (366) . (5) 5)

(9) كتاب المجروحين (1/94) . (1) 1)

(10) الكفاية (364) . (2) 2)

(11) علل الحديث لابن أبي حاتم (1/154 ، 155) . (3) 3)

(12) تاريخ عثمان بن سعيد الدارمي ، برقم (952) . (4) 4)

(13) تهذيب الكمال (31/97 ) ، وانظر كتاب الضعفاء والمتروكين (187) . (5) 5)

(14) الكفاية (362) . (1) 1)

(15) الجرح والتعديل (8/339) . (2) 2)

(16) الجرح والتعديل (4/240) . (3) 3)

(17) صحيح البخاري (5920) . (4) 4)

(18) فتح الباري (10/377) . (5) 5)

(19) الكامل لابن عدي (1/34) ، والكفاية (362) . (6) 6)

(20) سؤالات الحاكم (265) ، وتهذيب التهذيب (6/355) . (7) 7)

(21) الكفاية (362) . (8) 8)

(22) الجرح والتعديل (6/72) . (1) 1)

(23) تاريخ بغداد (11/23 ، 24) . (2) 2)

(24) المدخل إلى كتاب الإكليل (40) . (3) 3)

(25) رسالة إلى داود إلى أهل مكة (53) . (4) 4)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت