فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 40

الأصل في الحديث المقبول أن يكون مشهورًا ، ولذلك ذك أهل العلم غرائب الأحاديث .

قال ابن المبارك: العلم الذي يجيئك من هاهنا ومن هاهنا ـ يعني المشهور (1) .

وقال شعبة: لا يجيئك الشاذ إلا من الرجل الشاذ (2) .

وقال الإمام أحمد: شر الحديث الغرائب التي لا يعمل ولا يعتمد عليها (3) .

وقال أيضًا: إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون: هذا الحديث غريب أو فائدة ، فاعلم أنه خطأ أو دخل حديث في حديث أ خطأ من المحدث أو ليس له إسناد وإن روى شعبة وسفيان . وإذا سمعتهم يقولون: لا شئ فاعلم أنه صحيح (4) . قوله: وإن روى شعبة وسفيان ، أي: وإن كان في الإسناد هذان ، لا أنهما المنفردان به .

وقال أبو داود: فإنه لا يحتج بحديث غريب ، ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثقات من ائمة العلم (5) .

وقال يزيد بن أبي حبيب:إذا سمعت بالحديث فانشده منا تنشد الضالة،فإن عرف فخذه وإلا فدعه (6)

ولذلك فإن الثقات لا تكثر في أحاديثهم الغرائب ، بل تكثر الغرائب في أحاديث الضعفاء .

وقال أحمد بن أبي يحيى: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول غير مرة: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب ؛ فإنها مناكير وعامتها عن الضعفاء (7) .

وقال الحافظ بن رجب: أكثر الحفاظ المتقدمين يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد ، وإن لم يرو الثقات خلاف أن لا يتابع عليه ، ويجعلون ذلك علة فيه ، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري نحوه ، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضًا ولك في كل حديث نقد خاص ، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه (8) .

قلت: يعني قاعدة التفرد أغلبية ، وقد يخرج عنها لمآخذ أخرى .

قال الإمام مسلم: حكم أهل العلم والذي يعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث ، أن يكون قد شارك الثقات من أهل الحفظ في بعض ما رووا وأمعن في ذلك على الموافقة لهم ، فإذا وجد كذلك ثم زاد بعد ذلك شيئًا ليس عند أصحابه قبلت زيادته (9) . انتهى .

فإن تفرد ـ شيخ ولو كان ثقة ـ عن مشهور له أصحاب ملازمين أتقنوا حديثه رد تفرده .

قال ابن رجب: والشيوخ في اصطلاح أهل هذا العلم: عبارة عمن دون الأئمة والحفاظ وقد يكون فيهم الثقة وغيره ، فأما ما تفرد به الأئمة والحفاظ فقد سماه الخليلي فردًا ، وذكر أن أفراد الحفاظ المشهورين الثقات أو أفراد إمام عن الحفاظ والأئمة صحيح متفق عليه،ومثله بحديث مالك في المغفر (10)

ويطلق الشيخ أيضًا على من ليس ثبتًا بالنسبة لغيره في راو بعينه ، كما أطلقه الحافظ البرديجي على حماد بن سلمة وهمام وأبان والأوزاعي في روايتهم عن قتادة (11) .

وقال ابن حبان: عاصم بن الوضاح الزبيدي من أهل خاس ، يروي عن مالك وفليح بن سليمان وعبد الحميد بن بهرام ـ المناكير ، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد ؛ لم يظهر له كثير حديث وإنما كتب عنه جماعة من أهل بلده فقد (12) .

أما الرواة المكثرون من الحديث أو المختصون بشيوخهم فيقبل تفردهم ويحتمل .

قال أبو أسامة: لو أن عبد الرحمن بن مهدي أغرب من سفيان الثوري ألف حديث ما أنكرته عليه ، وذلك أني دخلت على سفيان الثوري في مرضه باليصرة فرأيت عبد الرحمن بوصية يلي سفلته بيده (13)

قال ابن المديني في شبابه بن سوار الفزاري: كان شيخًا صالحًا إلا أنه يرى الإرجاء ، ولا ننكر لرجل سمع من رجل ألفًا وألفين أن يجئ بحديث غريب (14) .

وقال البخاري:محمد بن إسحاق ينبغي له أن يكون له ألف حديث ينفرد بها لا يشاركه فيها أحد (15)

وقال البرديجي في الحسن بن علي بن المعمري الحافظ: ليس بعجب أن ينفرد المعمري بعشرين أو ثلاثين حديثًا في كثرة ما كتب (16) .

وقال الحسن بن محمد الزعفراني: قلت لأحمد بن حنبل: من تابع عفان على حديث كذا وكذا ؟ فقال: وعفام يحتاج إلى أن يتابعه أحد ؟! أو كما قال (17) .

وقال الإمام مسلم: وللزهري نحو من تسعين حديثًا عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يشاركه فيه أحد بأسانيد جياد (18) .

وقال الذهبي: بل الثقة الحافظ إذا انفرد بأحاديث كان أرفع له ، وأكمل لرتبته ، وأدل على اعتنائه بعلم الأثر ، وضبطه دون أقرانه لأشياء ما عرفوها ، اللهم إلا أن يتبين غلطه ووهمه في الشئ فيعرف ذلك ، فانظر إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الكبار والصغار ، ما فيهم إلا وقد انفرد بسنة فيقال له: هذا الحديث لا يتابع عليه ! ، وكذلك التابعون ، كل واحد عده ما ليس عند الآخر من العلم (19) .

قلت: فإذا تفرد شيخ رد تفرده لأمور:

الأول: الأحاديث لا يصح قياسها على الفتاوى والمسائل العلمية حتى يقال: زيادة علم يجب قبولها ؛ لأن الحديث ثابت لا يتغير ولا يزاد عليه .

الثاني: أهل الحدي الملازمون لشيوخهم يأخذون كل حديث شيوخهم .

ومن شواهد ذلك: قول أبي صالح ذكوان وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج: ليس أحد يحدث عن أبي هريرة إلا علمنا أصداق أم كاذب (20) .

قال المعلمي: يريدان أنه إذا حدث عن أبي هريرة بما لم يسماه منه علماأنه كاذب لإحاطتهما بحديث أبي هريرة (21) . والرواة متفاوتون في هذا الحرص على الجمع .

قال يحيى بن سعيد: كان الثوري يشتد عليه إذا حدثته لما ليس عنده ، وكان مسعر لا يبالي أن أحدثه بخمسين حديثًا ليست عنده (22) .

الثالث: الثقات وغيرهم معرضين للخطأ والتفرد مظنته .

وقال ابن معين: من لم يخطئ في الحديث فهو كذاب (23) .

قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى: فهؤلاء الحفاظ الثقات ، إذا انفرد الرجل منهم من التابعين فحديثه صحيح . وإن كان من الأتباع فحديثه صحيح غريب ، وإن كان من أصحاب الأتبارع قيل: غريب فرد (24) .

قلت: نعم ؛ يقبل التفرد في الطبقات العليا عن الصحابة والتابعين ، إلا عمن كان له أصحاب جمعوا حديثه ولازموه .

قال الإمام مسلم: فأما من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه الحفاظ لحديثه وحديث غيره ، أو لمثل هشام بن عروة ، وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك ، فقد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره ، فيروي عنهما أو عن أحدهما العدد من الحديث ، مما لا يعرفه أحد من أصحابهما ، وليس ممن قاد شاركهم في الصحيح مما عندهم ، فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس . والله أعلم (25) . انتهى .

وأما التفرد عمن بعد الصحابة والتابعين فلم يحك الذهبي تصحيحه ، وقال: ويندر تفردهم فتجد الإمام منهم عنده مائتا ألف حديث ، لا يكاد ينفرد بحديثين أو ثلاثة ، ومن كان بعدهم فأين ما ينفرد به ؟ ما علمته وقد يوجد ...

فإن كان المنفرد من طبقة مشيخة الأئمة ، أطلقوا النكارة على ما انفرد به مثل عثمان بن أبي شيبة وأبي سلمة التبوذكي ، وقالوا: هذا منكر .

فإن روى حديثًا من الأفراد المنكرة غمزوه ولينوا حديثه ، وتوقفوا في توثيقه ، فإن رجع عنها وامتنع من روايتها ، وجوز على نفسه الوهم فهو خير له وأرجح لعدالته ،و ليس من شرط الثقة ، أنه لا يغلط ولا يخطئ فمن الذي يسلم من ذلك غير المعصوم الذي لا يقر على خطأ (26) . انتهى .

ولا يصح للمتأخرين أن يستقلوا بالحكم على الحديث بالتفرد في الطبقات المتأخرة ؛ لأن من كتب الحديث ما فقد ، إلا إذا غلب على ظن المتأهل الممارس للفن لما ظهر له من قرائن . والله أعلم .

(1) شرح علل الترمذي (234) .3)

(2) الكفاية (141) ، والكامل لابن عدي (1/68) .4)

(3) الكفاية (141) .5)

(4) الكفاية في علم الراوية (142) .6)

(5) شرح علل الترمذي (237) .7)

(6) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (2/19) .8)

(7) الكامل في ضعفاء الرجال (1/29) .9)

(8) شرح علل الترمذي (208) .1)

(9) صحيح الإمام مسلم (1/7) .2)

(10) شرح علل الترمذي (256) .3)

(11) شرح علل الترمذي (252 ، 282 ، 283) .4)

(12) كتاب المجروحين (2/174) .5)

(13) الكامل لابن عدي (1/110) .6)

(14) تهذيب الكمال (12/347) .7)

(15) تاريخ بغداد (1/227) .1)

(16) ميزان الاعتدال (1/504) .2)

(17) تاريخ بغداد (12/274) .3)

(18) صحيح مسلم (1674) .4)

(19) ميزان الاعتدال (3/140) .5)

(20) الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي (1/53) .6)

(21) التنكيل (2/100) .7)

(22) الكامل لابن عدي (1/84) .1)

(23) التاريخ لابن معين رواية الدوري ( برقم 2682 ، 4342) .2)

(24) الموقظة (77) .3)

(25) صحيح الإمام مسلم في مقدمته (1/7) .4)

(26) الموقظة (77 ـ 78) .5)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت