وأهل الحديث رحمهم الله عندما تكلموا في الرجال بحثوا في صفتين:
الأولى: العدالة:
قال أبو عبد الله الحاكم ـ رحمه الله ـ: أصل عدالة المحدث أن يكون مسلمًا لا يدعو إلى بدعة ولا يعلن من أنواع المعاصي ما تسقط به عدالته (1) .
وسئل ابن المبارك عن العدل فقال: من كان فيه خمس خصال: يشهد الجماعة ، ولا يشرب هذا الشراب ، ولا تكون في دينه خربة ، ولا يكذب ، ولا يكون في عقله شئ (2) .
وروي عن أبي هريرة وابن عباس والحسن البصري وزيد بن أسلم وابن سيرين وإبراهيم النخعي والضحاك بن مزاحم أنهم قالوا: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه (3) .
وقال يحيى بن معين: آلة الحديث الصدق ، والشهرة بالطلب ، وترك البدع ، واجتناب الكبائر (4) .
وهي شرط في قبول حديث الراوي صيانة لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكذب ، إذ الفاسق لا يوثق به لعدم تحرزه من الكذب .
قال يزيد بن هارون: لا يجوز حديث الرجل حتى تجوز شهادته (5) .
قلت: وأما عدالته الباطنة ـ التي لا يعلمها إلا الله ـ فلسنا نبحث عنها .
قال ابن حبان: العدل من لم يعرف منه الجرح ضد التعديل ، فمن لم يعلم بجرح فهو عدل إذا لم يبين ضده إذ لم يكلف الناس معرفة ما غاب منهم وإنما كلفوا حكم الظاهر من الأشياء غير المغيب عنهم (6) .
وقوله: ( فمن لم يعلم بجرح فهو عدل ) ، مقيد عنده بالمشاهير ، قال ابن حبان: إذ الناس أحوالهم على الصلاح والعدالة حتى يتبين منهم ما يوجب الجرح ، هذا حكم المشاهير من الرواة (7) .
وروى أبو زرعة عن ابن جابر قوله: لا يؤخذ هذا العلم إلا عمن شهد له بالطلب ، قال أبو زرعة: فسمعت أبا مسهر يقول: إلا جليس العالم فإن ذلك طلبه .
قال الخطيب البغدادي:: أراد أبا مسهر بهذا القول أن من عرفت مجلسته للعلماء وأخذه عنهم أغنى ظهور ذلك من أمره أن يسأل عن حاله . والله أعلم (8) .
قال الوليد بن مسلم: اجتمعت أنا وابن المبارك ومروان الفزاري عند سفيان الثوري وسعيد بن سالم القداح إذ جاء سفيان بن عيينة فتذاكرنا: من العدل في الإسلام ؟ فكلنا نظرنا إلى سفيان الثوري أن يتكلم فبادر عبد الله بن المبارك فقال: من رضيه أهل العلم فكتبوا عنه حديثه فهو عدل جائز الشهادة . فتبسم سفيان الثوري وقال: أحسن والله أبو عبد الرحمن (9) .
وقد جرى على ذلك الإمام أبو عمر بن عبد البر ، فقال: كل حامل علم معروف العناية به فهو عدل محمول في أمره أبدًا على العدالة ، حتى تتبين جرحته في حاله ، أو في كثرة غلطه (10) .
أما الرواة الذين تقادم العهد بهم وتعذرت الخبرة بعدالتهم فيكتفي فيهم بالعدالة الظاهرة ؛ وهي الإسلام وعدم العلم بالمفسق ؛ لأن الأصل في المسلمين السلامة في العصور المتقدمة .
قال المعلمي رحمه الله تعالى: وقد صرح ابن حبان بأن المسلمين على الصلاح والعدالة حتى يتبين منهم ما يوجب القدح ، نص على ذلك في الثقات وذكره ابن حجر في اللسان (11) واستغربه ولو تدبر لوجد كثيرًا من الأئمة يبنون عليه فإذا وجد أحدهم أحاديث الراوي فوجدها مستقيمة تدل على صدق وضبط ولم يبلغ ما يوجب طعنًا في دينه وثقة وربما تجاوز بعضهم هذا كما سلف وربما بنى بعضهم على هذا حتى في أهل بلده (12) . انتهى كلامه .
قال ابن الصلاح: ويشبه أن يكون العمل على هذا الرأي في كثير من كتب الحديث المشهورة ، في غير واحد من الرواة الذين تقادم العهد بهم ، وتعذرت الخبرة الباطنة بهم ، والله أعلم (13) . انتهى .
قال إبراهيم النخعي: كان يقال العدل من المسلمين من لم تظهر منه ريبة (14) .
وقال عطاف بن خالد: حدث زيد بن أسلم بحديث ، فقال له رجل: يا أبا أسامة عن من هذا ؟ قال: يا ابن أخي ما كنا نجالس السفهاء (15) .
وقال أبو العالية: كنت أرحل إلى الرجل مسيرة أيام ، فأتفقد صلاته ، فإن أجده يحسنها ويقيمها ، أقمت عليه وكتبت عنه ، وإن أجده يضيعها رحلت عنه ، وقلت: هذا لغير الصلاة أضيع (16) .
وقال الإمام مالك بن أنس: لم يقدم علينا أحد من أهل العراق يشبه أيوب السختياني ، قدم بلادنا فلم يسمع إلا ممن عندنا ثقة مأمون ، وقد كان غيره يقدم فيسمع ممن لا تجوز شهادتهم على حزمة كرات ،فعلمنا أن علمه في الموضع الذي يعرف أنه نقي كما أنه في الموضع الذي لا يعرف أنه نقي (17)
ويقدح في عدالة الراوي الفسق ، وهو على قسمين:
الأول: الفسق بالقول والعمل ـ كالزنا وشرب الخمر والعياذ بالله ـ ومن تلبس به لا تقبل روايته مطلقًا ، ولا يوثق .
قال ابن إدريس: لا يسمع الحديث ممن شرب المسكر ، ولا كرامة (18) .
وقال الإمام مالك: لا يؤخذ العلم من أربعة ، وخذوا ممن سوى ذلك: لا يؤخذ من سفيه معلن بالسفه وإن كان أروى الناس ، ولا من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه ، ولا من كذاب يكذب في أحاديث الناس ، وإن كنت لا تتهمه أن يكذب على رسول الله ، ولا من شيخ له عبادة وفضل ، إذ كان لا يعرف ما يحدث (19) .
قال أبو حاتم بن حبان: ومن المجروحين المعلن بالفسق والسفه وإن كان صدوقًا غي روايته ، ؛ لأن الفاسق لا يكون عدلًا ، والعدل لا يكون مجروحًا ، ومن خرج عن حد العدالة لا يعتمد على صدقه ، وإن صدق في شئ بعينه في حاله من الأحوال إلا أن يظهر عليه ضد الجرح حتى يكون أكثر أحواله طاعة الله عز وجل ، فحينئذ يحتج به بخبره ، فأما ظهور ذلك فعلًا (20) .
وقال أيضًا: لأن العدل إذا ظهر عليه أكثر أمارات الجرح استحق الترك ، كما أن من ظهر عليه أكثر علامات التعديل استحق العدالة (21) .
وقال الحافظ الذهبي: ما كل أحد فيه بدعة أو هفوة أو ذنوب يقدح فيه بما يوهن حديثه ، ولا من شرط الثقة أن يكون معصومًا (22) .
قال سعيد بن المسيب: ليس من شريف ولا من عالم ولا ذي سلطان إلا وفيه عيب ولا بد ، ولكن من الناس لا تذكر عيوبه ؛ من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله (23) .
وقال الإمام الشافعي: لا أعلم أحدًا أعطى طاعة الله حتى لم يخلطها بمعصية الله إلا يحيى بن زكريا عليه السلام ، ولا عصى الله فلم يخلطها بطاعة ، فإذا كان الأغلب الطاعة فهو المعدل ، وإذا كان الأغلب المعصية فهو المجرح (24) .
قلت: أما من وقع في المعصية وهو متأول فلا يجرح في عدالته ؛ لأن وقوعه في المحرم ليس من قبيل العناد واتباع الشهوات ، بل بسبب خطئه في الاجتهاد .
قال أبو حاتم الرازي: جاريت أحمد بن حنبل من شرب النبيذ من محدثي الكوفة وسميت له عددًا منهم فقال: هذه زلات لهم ولا تسقط بزلاتهم عدالتهم (25) .
(1) معرفة علوم الحديث (53) . (1) 1)
(2) الكفاية (79) . (2) 2)
(3) كتاب المجروحين (1/21 ، 23) . (3) 3)
(4) الكفاية (101) ، والجامع للخطيب (1/128) . (4) 4)
(5) الجرح والتعديل (2/31) . (5) 5)
(6) الثقات (1/13) . (6) 6)
(7) كتاب المجروحين (2/192 ، 193) . (7) 7)
(8) الكفاية (88) . (1) 1)
(9) الكامل لابن عدي (1/104) . (2) 2)
(10) التمهيد (1/28) . (3) 3)
(11) لسان الميزان (1/93) . (4) 4)
(12) التنكيل (1/67) . (5) 5)
(13) مقدمة ابن الصلاح (53) . (6) 6)
(14) السنن الكبرى للبيهقي (10/124) . (7) 7)
(15) الكامل لابن عدي (1/158) . (8) 8)
(16) الكامل لابن عدي (1/54) . (1) 1)
(17) الكامل لابن عدي (1/61) . (2) 2)
(18) كتاب المجروحين (1/23) . (3) 3)
(19) الكامل لابن عدي (1/92) . (4) 4)
(20) كتاب المجروحين (1/79) . (5) 5)
(21) كتاب المجروحين (1/76 ، 77) . (6) 6)
(22) ميزان الاعتدال (3/141) . (7) 7)
(23) الكفاية (79) . (1) 1)
(24) الكفاية (79) . (2) 2)
(25) الجرح والتعديل (2/26) . (3) 3)