فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 40

فصل ضبط الرواة للحديث .

الصفة الثانية: الضبط: وهو شرط في قبول خبر الراوي ، فإن ثبوت عدالته الدينية لا يكفي حتى يجمع بينهما .

قال أبو حاتم محمد بن حبان: وقد يكون العدل الذي يشهد له جيرانه وعدول بلده به وهو غير صادق فيما يروي من الحديث ؛ لأن هذ شئ ليس يعرفه إلا من صناعته الحديث ، وليس كل معدّل يعرف صناعة الحديث حتى يعدل العدل على الحقيقة في الراوية والدين معًا (1) .

وقال مالك بن أنس: إن هذا العلم دين ، فانظروا عمن تأخذون دينكم ، لقد أدركت في هذا المسجد سبعين ـ وأشار إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ ممن يقول: قال فلان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما أخذت عنهم شيئًا ، وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال لكان

به أمينًا ؛ لأنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن (2) .

وقال أبو الزناد: أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون ، لا يؤخذ عنهم العلم ، كان يقال: ليس هم من أهله (3) .

والضبط على نوعين: قال ابن معين رحمه الله: هما ثبتان: ثبت حفظ وثبت كتاب (4) . انتهى .

فأما ضبط الصدر: فهو أن يكون حافظًا لما يحدث به ، أو عالمًا بما يحيل المعاني من الألفاظ إن حدث بالمعنى .

وأما ضبط الكتاب: فهو كون كتابه صحيحًا بصيانته له حتى الأداء منه .

قال الحافظ بن حجر رحمه الله: الرواة الذين للصحيح على قسمين:

قسم كانوا يعتمدون على حفظ حديثهم ، فكان الواحد منهم يتعاهد حديثه ويكرر عليه فلا يزال مبينًا له ، وسهل ذلك عليهم قرب الإسناد ، وقلة ما عند الواحد منهم من المتون ، حتى كان من يحفظ منهم ألف حديث يشار إليه بالأصابع ، ومن هنا دخل الوهم والغلط على بعضهم لما جبل عليه الإنسان من السهو والنسيان .

وقسم كانوا يكتبون ما يسمعونه ويحافظون عليه ولا يخرجونه من أيديهم ، ويحدثون منه ، وكان الوهم في حديثهم أقل من القسم الأول ، إلا من تساهل منهم ، كمن حدث من غير كتابه ، أو أخرج كتابه من يده إلى غيره فزاد فيه ونقص وخفي عليه ، فتكلم الأئمة فيمن وقع له ذلك منهم (5) . انتهى .

قال مروان: ثلاثة ليس لصاحب حديث عنها غنى: الحفظ والصدق وصحة الكتب ، فإن أخطأ واحدة وكانت فيه ثنتين لم يضره ، إن أخطأ الضبط والحفظ ورجع إلى الكتب لم يضره .

وقال: طال الإسناد وسيرجع إلى الكتب (6) .

قال الخطيب البغدادي: الاحتياط للمحدث والأولى به أن يروي من كتابه ، ليسلم من الوهم والغلط ويكون جديرًا بالبعد من الزلل (7) .

وقيل ليحيى بن معين: أيهما أحب إليك ثبت حفظ أو ثبت كتاب ؟ قال:ثبت كتاب (8) .

قال الإمام أحمد: حدثنا قوم من حفظهم وقم من كتبهم ،فكان الذين من حدثونا من كتبهم أتقن (9)

قال الذهبي: الورع أن المحدث لا يحدث إلا من كتاب كمان كان يفعل ويوصي به إمام المحدثين أحمد بن حنبل (10) .

وقال علي بن المديني: ليس في أصحابنا أحفظ من أبي عبد الله أحمد بن حنبل ، وبلغني أنه لا يحدث إلا كم كتاب ، ولنا فيه أسوة (11) .

قال علي بن المديني: أمرني سيدي أحمد بن حنبل أن لا أحدث إلا من كتاب (12) .

قلت: والمعتبر في الثقة صحة أدائه للحديث كما هو ممن أخذ عنه ، بغض النظر عن طريقة التحمل .

قال يحيى بن معين: سمعت عبد الله بن وهب يقول لسفيان بن عيينة: يا أبا محمد ! الذي عرض عليك أمس فلان ، أجزها لي . فقال: نعم .

وقال: رأيت عبد الله بن وهب ، يعرض له على سفيان بن عيينة ، وهو قاعد ينعس .

وقال يحيى بن إسحاق: رأيت سفيان بن عيينة يحدث وابن وهب نائم (13) .

قال أبو طالب: قال أحمد بن حنبل: عبد الله بن وهب صحيح الحديث يفصل السماع من العرض ، والحديث من الحديث ، ما أصح حديثه وأثبته ، قيل له: أليس كان سيئ الأخذ ؟ قال: قد كان سيئ الأخذ ولكن إذا نظرت في حديثه وما روى عن مشايخه وجدته صحيحًا (14) .

قلت: ومن ذلك صحة الوجادة ، وهي: التحمل من الكتاب بدون سماع ولا إجازة ، كرواية الحسن عن سمرة بن جندب ، ومخرمة بن بكير عن أبيه ، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، وغيرهم .

قال الحافظ ابن القيم رحمه الله: ولم تزل الأمة تعمل قديمًا وحديثًا ، وأجمع الصحابة على العمل بالكتب ، وكذلك الخلفاء بعدهم ، وليس اعتماد الناس في العلم إلا على الكتب ، فإن لم يعمل بالكتب تعطلت الشريعة ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكتب كتبه إلى الآفاق والنواحي فيعمل بها من تصل إليه ، ولا يقول هذا كتاب !! فرد السنن بهذا الخيال البارد الفاسد من أبطل

الباطل ، والحفظ يخون والكتاب لا يخون (15) .

(1) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (1/152) . (9) 9)

(2) تهذيب الكمال (26/438) ، والكامل (1/92) . (1) 1)

(3) مقدمة صحيح مسلم (15) ، والكامل لابن عدي (1/155) . (2) 2)

(4) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (2/38) . (3) 3)

(5) النكت على كتاب ابن الصلاح (55) . (4) 4)

(6) الكامل (1/159) . (5) 5)

(7) الجامع للخطيب (2/10) . (6) 6)

(8) الجامع للخطيب (2/38) . (1) 1)

(9) شرح علل الترمذي (57) . (2) 2)

(10) سير أعلام النبلاء (9/383) . (3) 3)

(11) الجامع للخطيب (2/12) . (4) 4)

(12) سير أعلام النبلاء (11/200) ، والجامع للخطيب (2/12) . (5) 5)

(13) تاريخ ابن معين برواية الدوري: (2/336) . (6) 6)

(14) الجرح والتعديل (5/190 ، 189) . (7) 7)

(15) إعلام الموقعين (2/144) . (1) 1)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت