فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 40

إن علم الجرح والتعديل علم عميق ، لا يستطيع إتقانه إلا من سار على نهج أولئك الحفاظ النقاد ، الذين على يدهم استقام هذا العلم ، ولذلك فلا بد من معرفة منهجهم في انتقاد الرجال وتمييز الثوي والضعيف .

قال المعلمي: ليس نقد الرواة بالأمر الهين ؛ فإن الناد لا بد أن يكون واسع الإطلاع على الأخبار المروية ، عارفًا بأحوال السابقين وطرق الرواية ، خبيرًا بعوائد الرواة ومقاصدهم وأغراضهم وبلأسباب الداعية إلى التساهل والكذب ، والموقعة في الخطأ ، ثم يحتاج إلى أن يعرف أحوال الرواي متى ولد؟ وبأي وبلد؟ وكيف هو في الدين والأمانة والعقل والمروءة ؟ ومع من سمع ؟ وكيف كتابه ؟

ثم يعرف أحوال الشيوخ الذين يحدث عنهم وبلدانهم ووفياتهم وأوقات تحديثهم وعاداتهم في الحديث ، ثم يعرف مرويات الناس عنهم ويعرض عليها مرويات هذا الراوي ويعتبر بها ، إلى غير ذلك مما يطول شرحه ، ويكون مع ذلك متيقظًا مرهف الفهم ، دقيق الفطنة ، مالكًا لنفسه لا يستميله الهوى ولا يستفزه الغضب ، ولا يستخفه بادر ظن ، حتى يستوفي النظر ويبلغ المقر ثم يحسن التطبيق في حكمه فلا يجاوز ولا يقصر .

وهذه مرتبة بعيدة المرام عزيزة المنال لم يبلغها إلا الأفذاذ (1) .

وقال: كان الرجل من أصحاب الحديث يرشح لطلب الحديث وهو طفل ، ثم ينشأ دائبًا في الطلب والحفظ والجمع ليلًا ونهارًا ، ويرتحل في طلبه إلى أقاصي البلدان ، ويقاسي المشاق الشديدة كما هو معروف في أخبارهم ، يصرف في ذلك زهرة عمره إلى نحو ثلاثين أو أربعين سنة ، وتكون أمنيته من الدنيا أن يقصده أصحاب الحديث يسمعوا منه ويرووا عنه ...

فمن تدبر أحوال القوم بان له أنه ليس العجب ممن تحرز عن الكذب منهم طول عمره ، وإنما العجب ممن اجترأ على الكذب .

كما أنه من تدبر كثرة ما عندهم من الرواية وكثرة ما يقع من الالتباس والاشتباه ، وتدبر تعنت أئمة الحديث بان له أنه ليس العجب ممن جرحوه بل العجب ممن وثقوه (2) .

وقال ابن معين: لست أعجب ممن يحدث فيخطئ ، وإنما أعجب ممن يحدث فيصيب (3) .

واعلم أن الراوي إذا روى الحديث إما أن ينفرد به ، أو يشاركه الرواة في رواية الحديث ، فإن شاركهم ؛ إما أن يوافقهم أو يخالفهم ، وله في كل تلك الأحوال أحكام .

وقال المعلمي: وكثرة الغرائب إنما تضر الراوي في حالين:

الأولى: أن تكون مع غرابتها عن شيوخ ثقات بأسانيد جيده .

الثانية: أن يكون مع كثرة غرائبه غير معروف بكثرة الطلب .

في الحالة الأولى تكون تبعة النكارة على الراوي نفسه ؛ لظهور براءة من فوقه عنها .

وفي الحالة الثانية يقال: من أين له هذه الغرائب مع قلة طلبه فيتهم بسرقة الحديث ، كما قال ابن نمير في أبي هشام الرفاعي: كان أضعفنا وأكثرنا غرائب (4) .

وقال: ومن كثر حديثه لا بد أن يكون في حديثه غرائب ، وليس ذلك بموجب للضعف ، وإنما الذي يضر أن تكون تلك الغرائب منكرة (5) .

وقال عبد الرحمن بن مهدي لشعبة: من الذي تترك الرواية عنه ؟ قال: إذا أكثر من المعروفين من الرواية ما لا يعرف (6) .

قلت: فإن لم ينفرد وشاركهم فموافقة الراوي لما رواه الثقات ولما ثبت في الكتاب والسنة دليل على صدقه .

قال الإمام الشافعي: ونجد الدلالة على صدق المحدث وغلطه ممن شركه من الحفاظ ، وبالكتاب والسنة (7) .

وقال: ويعتبر أهل الحديث بأن إذا اشتركوا في الحديث عن الرجل بأن يستدل على حفظ أحدهم بموافقة أهل الحفظ له ، وعلى خلاف حفظه بخلاف حفظ أهل الحفظ له .

وإذا اختلفت الرواة استدللنا على المحفوظ منه والغلط بهذا ووجوه سواه تدل على الصدق والحفظ الغلط (8) .

وقال ابن الصلاح رحمه الله: يعرف كون الراوي ضابطًا بأن يعتبر روايته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان ، فإن وجدنا رواياته موافقة ولو من حيث المعنى لرواياتهم أو موافقة لها في الأغلب ، والمخالفة نادرة عرفنا حينئذ كونه ضابطًا ثبتًا ، وإن وجدناه كثير المخالفة لهم عرفنا اختلال ضبطه ولم يحتج بحديثه (9) . انتهى .

فحين يمعن في الموافقة فلا يتفرد ولا يخالف كثيرًا ، فإن نقاد الحديث يصفونه بالصدق ، ويلحقونه برمزة الثقات .

وقال الذهبي: إن إكثار الراوي من الحاديث التي لا يوافق عليها لفظًا ولا إسنادًا يصيره متروك الحديث (10) .

وقال أيضًا: أكثر المتكلم فيهم ما ضعفهم الحفاظ إلا لمخالفتهم الأثبات (11) .

قلت: ويقدر خطئه وغفلته وجرم ذلك وفحشه تنزل درجته ؛ ولذلك تفاوت الرواة .

قال الترمذي: إنما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان والتثبت عند السماع ، مع أنه لم يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة مع حفظهم (12) .

وقال سفيان الثوري: ليس يكاد يفلت من الغلط أحد ، إذا كان الغالب على الرجل الحفظ فهو حافظ وإن غلط ، وإن كان الغالب عليه الغلط ترك (13) .

وقال الشافعي: ومن كثر غلطه من المحدثين ولم يكن له أصل كتاب صحيح لم يقبل حديثه ، كما يكون من أكثر الغلط في الشهادة لم تقبل شهادته (14) .

وقال سليمان بن أحمد الدمشقي لعبد الرحمن بن مهدي: أكتب عمن يغلط في عشرة ؟ قال: نعم ، قيل له: يغلط في عشرين ؟ قال: نعم ، قلت: فثلاثين ؟ قال: نعم ، قلت: فخمسين ؟ قال: نعم (15) .

وقال سليمان لعبد الرحمن: أكتب عمن يغلط في مائة ؟ قال: لا ، مائة كثير . قال ابن أبي حاتم: يعني مائة حديث (16) .

وكثرة أخطاء الراوي وقلتها تتفاوت بقدر إكثار الراوي من الحديث وإقلاله .

وقال أبو مسعود: كتبوا إلىّ من أصبهان أبا داود أخطأ في تسمعائة ـ أو قالوا: ألف ـ فذكرت ذلك لأحمد بن حنبل فقال: يحتمل لأبي داود (17)

وقال ابن عدي:ليس بعجب أن يحدث بأربعين ألف حديث من حفظه أن يخطئ في أحاديث منها (18)

وقال الخطيب البغدادي: كان أبو داود يحدث من حفظه ، والحفظ خوّان فكان يغلط مع أن غلطه يسير في جنب ما روى على الصحة والسلامة (19) .

وقال الذهبي: فمن يروي مائة ألف حديث ويندر المنكر في سعة ما روى فإليه المنتهى من الإتقان (20)

ويعرف ضبط المحدث وإتقانه بأن يجري على وتيرة واحدة ، ولا يضطرب فيه ، فإن كثرة الاختلاف على الراوي مما يدل على اضطراب حفظه ، إلا إذا كان من كبار الحفاظ ، فإن كثرة الوجوه عنه تدل على سعة حفظه .

قال عبد الرحمن بن مهدي: إنما يستدل على حفظ المحدث إذا لم يختلف عليه الحفاظ (21) .

ومن أسباب سوء الحفظ ووهن الضبط الانشغال عن الحديث بغيره .

قال أبو عاصم: من استخف بالحديث استخف به الحديث (22)

قال ابن رجب: الصالحون غير العلماء يغلب على حديثهم الوهم والغلط ... والحفاظ منهم القليل ، فإذا جاء الحديث من جهة واحد منهم فليتوقف فيه حتى يتبين أمره (23) .

وقد قال أبو عبد الله بن منده: إذا رأيت في حديث ( حدثنا فلان الزاهد ) فاغسل يدك منه (24) .

وقال أبو سعيد بن يونس في رشد بن سعد: وكان رجلًا صالحًا لا يشك في صلاحه وفضله ، فأدركته غفلة الصالحين فخلط في الحديث (25) .

وقال يحيى بن سعيد القطان: ما رأيت الصالحين أكذب منهم في الحديث (26) .

قال مسلم: يقول: يجري الكذب على لسانهم ولا يتعمدون الكذب (27) .

وقال ابن عدي: الصالحون قد رسموا بهذا الرسم: أن يرووا في فضائل الأعمال موضوعة بواطيل ، ويتهم جماعة منهم بوضعها (28) .

وقال ابن رجب: الفقهاء المعتنون بالرأي حتى يغلب عليهم الانشغال به لا يكادون يحفظون الحديث كما ينبغي ، ولا يقيمون أسانيده ومتونه ، ويخطئون في الأسانيد كثيرًا ويروون بألفاظ تشبه ألفاظ الفقهاء المتداولة بينهم (29) .

قال الذهبي: وكذلك جماعة من القراء أثبات القراءة دون الحديث كنافع في الحديث والكسائي وحفص ، فإنهم نهضوا بأعباء الحروف وحرروها ولم يصنعوا ذلك في الحديث ، كما أن طائفة من الحفاظ أتقنوا الحديث ولم يحكموا القراءة ، وكذا شأن كل من برز في فن ، ولم يعتن به عداه . والله أعلم (30) . انتهى .

والأخطاء التي تؤثؤ في الحكم على الراوي على درجات ، فمن الخطأ اليسير تغيير الأسماء سهوًا ، كما كان شعبة يفعل أحيانًا .

قال أبو داود: وشعبة يخطئ فيما لا يضره ولا يعاب عليه . يعني في الأسماء (31) . وأيسر منه تغيير الأسماء الواردة في متن الحديث .

قال ابن رجب: وقد ذكر الأثرم لأحمد أن ابن المديني كان يحمل على عمرو بن يحيى ، وذكر له هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على حمار ، وقال: إنما هو بعير . فقال أحمد: هذا سهل ، كان مالك من أثبت الناس وكان يخطئ ، وقال: حماد بن زيد قد أخطأ في غير شئ (32) .

وإنما يسقط الراوي عن الاعتبار بخيره ولا يقبل حديثه أبدًا إذا تعمد الكذب .

قال عبد الله بن الزبير الحميدي: فإن قال قائل: فما الذي لا يقبل حديث الرجل أبدًا ؟

قلت: هو أن يحدث عن رجل أنه سمعه ولم يدركه ، أو عن رجل أدركه ثم وجد عليه أنه لم يسمع منه ، أو بأمر يبين عليه في ذلك كذب ؛ فلا يجوز حديثه أبدًا لما أدرك عليه من الكذب فيما حدث به (33) .

قال عبد الله بن المبارك: من عقوبة الكذاب أن يرد عليه صدقه (34) .

قال الخطيب البغدادي: فأما إذا قال: كنت أحطأ فيما رويته ولم أتعمد الكذب . فإن ذلك يقبل منه وتجوز روايته بعد توبته (35) .

قلت: وقد يفتضح الرجل بخبر يرويه منكر ليس له فيه معذرة .

قال نعيم بن حماد: كان ابن المبارك لا يترك حديث الرجل حتى يبلغه عنه الشئ الذي لا يستطيع أن يدفعه (36) .

(1) مقدمة تحقيقه لكتاب الجرح والتعديل (1، ب ، ج) .1)

(2) التنكيل (1/29 ، 30) .2)

(3) الكامل لابن عدي (1/102) .3)

(4) التنكيل (1/98 ، 99) .1)

(5) طليعة التنكيل ، وهو مطبوع ضمن التنكيل (1/41) .2)

(6) كتاب المجورحين (1/74) .3)

(7) جماع العلم (301) .4)

(8) الرسالة (383) .5)

(9) مقدمة ابن الصلاح (50) .1)

(10) الميزان (3/141) .2)

(11) الموقظة (52) .3)

(12) العلل الصغير للترمذي (5/747 ، 748) .4)

(13) الكفاية (144) .5)

(14) الرسالة (ص382) .6)

(15) الجرح والتعديل (2/28) .7)

(16) تاريخ بغداد (9/26) .8)

(17) تاريخ بغداد (9/26) 1)

(18) الكامل لابن عدي (3/183) .2)

(19) تاريخ بغداد (9/26) .3)

(20) سير أعلام النبلاء (9/228) .4)

(21) الكفاية (435) .5)

(22) معرفة علوم الحديث (17) .6)

(23) شرح علل الترمذي (372 ، 373) .7)

(24) شرح علل الترمذي (372) .8)

(25) تهذيب الكمال (9/195) .9)

(26) 10) الكامل (1/144) .10)

(27) مقدمة صحيح مسلم (18) .1)

(28) الكامل لابن عدي (3/217) .2)

(29) شرح علل الترمذي (373) .3)

(30) سير أعلام النبلاء (11/543) .4)

(31) سؤالات الآحري لأبي داود السجستاني (1190) .5)

(32) شرح علل الترمذي (115) .6)

(33) الكفاية (118) .7)

(34) الكفاية (117) .1)

(35) الكفاية (118) .2)

(36) الجرح والتعديل (2/33) .3)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت