إن علم الجرح والتعديل علم عميق ، لا يستطيع إتقانه إلا من سار على نهج أولئك الحفاظ النقاد ، الذين على يدهم استقام هذا العلم ، ولذلك فلا بد من معرفة منهجهم في انتقاد الرجال وتمييز الثوي والضعيف .
قال المعلمي: ليس نقد الرواة بالأمر الهين ؛ فإن الناد لا بد أن يكون واسع الإطلاع على الأخبار المروية ، عارفًا بأحوال السابقين وطرق الرواية ، خبيرًا بعوائد الرواة ومقاصدهم وأغراضهم وبلأسباب الداعية إلى التساهل والكذب ، والموقعة في الخطأ ، ثم يحتاج إلى أن يعرف أحوال الرواي متى ولد؟ وبأي وبلد؟ وكيف هو في الدين والأمانة والعقل والمروءة ؟ ومع من سمع ؟ وكيف كتابه ؟
ثم يعرف أحوال الشيوخ الذين يحدث عنهم وبلدانهم ووفياتهم وأوقات تحديثهم وعاداتهم في الحديث ، ثم يعرف مرويات الناس عنهم ويعرض عليها مرويات هذا الراوي ويعتبر بها ، إلى غير ذلك مما يطول شرحه ، ويكون مع ذلك متيقظًا مرهف الفهم ، دقيق الفطنة ، مالكًا لنفسه لا يستميله الهوى ولا يستفزه الغضب ، ولا يستخفه بادر ظن ، حتى يستوفي النظر ويبلغ المقر ثم يحسن التطبيق في حكمه فلا يجاوز ولا يقصر .
وهذه مرتبة بعيدة المرام عزيزة المنال لم يبلغها إلا الأفذاذ (1) .
وقال: كان الرجل من أصحاب الحديث يرشح لطلب الحديث وهو طفل ، ثم ينشأ دائبًا في الطلب والحفظ والجمع ليلًا ونهارًا ، ويرتحل في طلبه إلى أقاصي البلدان ، ويقاسي المشاق الشديدة كما هو معروف في أخبارهم ، يصرف في ذلك زهرة عمره إلى نحو ثلاثين أو أربعين سنة ، وتكون أمنيته من الدنيا أن يقصده أصحاب الحديث يسمعوا منه ويرووا عنه ...
فمن تدبر أحوال القوم بان له أنه ليس العجب ممن تحرز عن الكذب منهم طول عمره ، وإنما العجب ممن اجترأ على الكذب .
كما أنه من تدبر كثرة ما عندهم من الرواية وكثرة ما يقع من الالتباس والاشتباه ، وتدبر تعنت أئمة الحديث بان له أنه ليس العجب ممن جرحوه بل العجب ممن وثقوه (2) .
وقال ابن معين: لست أعجب ممن يحدث فيخطئ ، وإنما أعجب ممن يحدث فيصيب (3) .
واعلم أن الراوي إذا روى الحديث إما أن ينفرد به ، أو يشاركه الرواة في رواية الحديث ، فإن شاركهم ؛ إما أن يوافقهم أو يخالفهم ، وله في كل تلك الأحوال أحكام .
وقال المعلمي: وكثرة الغرائب إنما تضر الراوي في حالين:
الأولى: أن تكون مع غرابتها عن شيوخ ثقات بأسانيد جيده .
الثانية: أن يكون مع كثرة غرائبه غير معروف بكثرة الطلب .
في الحالة الأولى تكون تبعة النكارة على الراوي نفسه ؛ لظهور براءة من فوقه عنها .
وفي الحالة الثانية يقال: من أين له هذه الغرائب مع قلة طلبه فيتهم بسرقة الحديث ، كما قال ابن نمير في أبي هشام الرفاعي: كان أضعفنا وأكثرنا غرائب (4) .
وقال: ومن كثر حديثه لا بد أن يكون في حديثه غرائب ، وليس ذلك بموجب للضعف ، وإنما الذي يضر أن تكون تلك الغرائب منكرة (5) .
وقال عبد الرحمن بن مهدي لشعبة: من الذي تترك الرواية عنه ؟ قال: إذا أكثر من المعروفين من الرواية ما لا يعرف (6) .
قلت: فإن لم ينفرد وشاركهم فموافقة الراوي لما رواه الثقات ولما ثبت في الكتاب والسنة دليل على صدقه .
قال الإمام الشافعي: ونجد الدلالة على صدق المحدث وغلطه ممن شركه من الحفاظ ، وبالكتاب والسنة (7) .
وقال: ويعتبر أهل الحديث بأن إذا اشتركوا في الحديث عن الرجل بأن يستدل على حفظ أحدهم بموافقة أهل الحفظ له ، وعلى خلاف حفظه بخلاف حفظ أهل الحفظ له .
وإذا اختلفت الرواة استدللنا على المحفوظ منه والغلط بهذا ووجوه سواه تدل على الصدق والحفظ الغلط (8) .
وقال ابن الصلاح رحمه الله: يعرف كون الراوي ضابطًا بأن يعتبر روايته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان ، فإن وجدنا رواياته موافقة ولو من حيث المعنى لرواياتهم أو موافقة لها في الأغلب ، والمخالفة نادرة عرفنا حينئذ كونه ضابطًا ثبتًا ، وإن وجدناه كثير المخالفة لهم عرفنا اختلال ضبطه ولم يحتج بحديثه (9) . انتهى .
فحين يمعن في الموافقة فلا يتفرد ولا يخالف كثيرًا ، فإن نقاد الحديث يصفونه بالصدق ، ويلحقونه برمزة الثقات .
وقال الذهبي: إن إكثار الراوي من الحاديث التي لا يوافق عليها لفظًا ولا إسنادًا يصيره متروك الحديث (10) .
وقال أيضًا: أكثر المتكلم فيهم ما ضعفهم الحفاظ إلا لمخالفتهم الأثبات (11) .
قلت: ويقدر خطئه وغفلته وجرم ذلك وفحشه تنزل درجته ؛ ولذلك تفاوت الرواة .
قال الترمذي: إنما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان والتثبت عند السماع ، مع أنه لم يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة مع حفظهم (12) .
وقال سفيان الثوري: ليس يكاد يفلت من الغلط أحد ، إذا كان الغالب على الرجل الحفظ فهو حافظ وإن غلط ، وإن كان الغالب عليه الغلط ترك (13) .
وقال الشافعي: ومن كثر غلطه من المحدثين ولم يكن له أصل كتاب صحيح لم يقبل حديثه ، كما يكون من أكثر الغلط في الشهادة لم تقبل شهادته (14) .
وقال سليمان بن أحمد الدمشقي لعبد الرحمن بن مهدي: أكتب عمن يغلط في عشرة ؟ قال: نعم ، قيل له: يغلط في عشرين ؟ قال: نعم ، قلت: فثلاثين ؟ قال: نعم ، قلت: فخمسين ؟ قال: نعم (15) .
وقال سليمان لعبد الرحمن: أكتب عمن يغلط في مائة ؟ قال: لا ، مائة كثير . قال ابن أبي حاتم: يعني مائة حديث (16) .
وكثرة أخطاء الراوي وقلتها تتفاوت بقدر إكثار الراوي من الحديث وإقلاله .
وقال أبو مسعود: كتبوا إلىّ من أصبهان أبا داود أخطأ في تسمعائة ـ أو قالوا: ألف ـ فذكرت ذلك لأحمد بن حنبل فقال: يحتمل لأبي داود (17)
وقال ابن عدي:ليس بعجب أن يحدث بأربعين ألف حديث من حفظه أن يخطئ في أحاديث منها (18)
وقال الخطيب البغدادي: كان أبو داود يحدث من حفظه ، والحفظ خوّان فكان يغلط مع أن غلطه يسير في جنب ما روى على الصحة والسلامة (19) .
وقال الذهبي: فمن يروي مائة ألف حديث ويندر المنكر في سعة ما روى فإليه المنتهى من الإتقان (20)
ويعرف ضبط المحدث وإتقانه بأن يجري على وتيرة واحدة ، ولا يضطرب فيه ، فإن كثرة الاختلاف على الراوي مما يدل على اضطراب حفظه ، إلا إذا كان من كبار الحفاظ ، فإن كثرة الوجوه عنه تدل على سعة حفظه .
قال عبد الرحمن بن مهدي: إنما يستدل على حفظ المحدث إذا لم يختلف عليه الحفاظ (21) .
ومن أسباب سوء الحفظ ووهن الضبط الانشغال عن الحديث بغيره .
قال أبو عاصم: من استخف بالحديث استخف به الحديث (22)
قال ابن رجب: الصالحون غير العلماء يغلب على حديثهم الوهم والغلط ... والحفاظ منهم القليل ، فإذا جاء الحديث من جهة واحد منهم فليتوقف فيه حتى يتبين أمره (23) .
وقد قال أبو عبد الله بن منده: إذا رأيت في حديث ( حدثنا فلان الزاهد ) فاغسل يدك منه (24) .
وقال أبو سعيد بن يونس في رشد بن سعد: وكان رجلًا صالحًا لا يشك في صلاحه وفضله ، فأدركته غفلة الصالحين فخلط في الحديث (25) .
وقال يحيى بن سعيد القطان: ما رأيت الصالحين أكذب منهم في الحديث (26) .
قال مسلم: يقول: يجري الكذب على لسانهم ولا يتعمدون الكذب (27) .
وقال ابن عدي: الصالحون قد رسموا بهذا الرسم: أن يرووا في فضائل الأعمال موضوعة بواطيل ، ويتهم جماعة منهم بوضعها (28) .
وقال ابن رجب: الفقهاء المعتنون بالرأي حتى يغلب عليهم الانشغال به لا يكادون يحفظون الحديث كما ينبغي ، ولا يقيمون أسانيده ومتونه ، ويخطئون في الأسانيد كثيرًا ويروون بألفاظ تشبه ألفاظ الفقهاء المتداولة بينهم (29) .
قال الذهبي: وكذلك جماعة من القراء أثبات القراءة دون الحديث كنافع في الحديث والكسائي وحفص ، فإنهم نهضوا بأعباء الحروف وحرروها ولم يصنعوا ذلك في الحديث ، كما أن طائفة من الحفاظ أتقنوا الحديث ولم يحكموا القراءة ، وكذا شأن كل من برز في فن ، ولم يعتن به عداه . والله أعلم (30) . انتهى .
والأخطاء التي تؤثؤ في الحكم على الراوي على درجات ، فمن الخطأ اليسير تغيير الأسماء سهوًا ، كما كان شعبة يفعل أحيانًا .
قال أبو داود: وشعبة يخطئ فيما لا يضره ولا يعاب عليه . يعني في الأسماء (31) . وأيسر منه تغيير الأسماء الواردة في متن الحديث .
قال ابن رجب: وقد ذكر الأثرم لأحمد أن ابن المديني كان يحمل على عمرو بن يحيى ، وذكر له هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على حمار ، وقال: إنما هو بعير . فقال أحمد: هذا سهل ، كان مالك من أثبت الناس وكان يخطئ ، وقال: حماد بن زيد قد أخطأ في غير شئ (32) .
وإنما يسقط الراوي عن الاعتبار بخيره ولا يقبل حديثه أبدًا إذا تعمد الكذب .
قال عبد الله بن الزبير الحميدي: فإن قال قائل: فما الذي لا يقبل حديث الرجل أبدًا ؟
قلت: هو أن يحدث عن رجل أنه سمعه ولم يدركه ، أو عن رجل أدركه ثم وجد عليه أنه لم يسمع منه ، أو بأمر يبين عليه في ذلك كذب ؛ فلا يجوز حديثه أبدًا لما أدرك عليه من الكذب فيما حدث به (33) .
قال عبد الله بن المبارك: من عقوبة الكذاب أن يرد عليه صدقه (34) .
قال الخطيب البغدادي: فأما إذا قال: كنت أحطأ فيما رويته ولم أتعمد الكذب . فإن ذلك يقبل منه وتجوز روايته بعد توبته (35) .
قلت: وقد يفتضح الرجل بخبر يرويه منكر ليس له فيه معذرة .
قال نعيم بن حماد: كان ابن المبارك لا يترك حديث الرجل حتى يبلغه عنه الشئ الذي لا يستطيع أن يدفعه (36) .
(1) مقدمة تحقيقه لكتاب الجرح والتعديل (1، ب ، ج) .1)
(2) التنكيل (1/29 ، 30) .2)
(3) الكامل لابن عدي (1/102) .3)
(4) التنكيل (1/98 ، 99) .1)
(5) طليعة التنكيل ، وهو مطبوع ضمن التنكيل (1/41) .2)
(6) كتاب المجورحين (1/74) .3)
(7) جماع العلم (301) .4)
(8) الرسالة (383) .5)
(9) مقدمة ابن الصلاح (50) .1)
(10) الميزان (3/141) .2)
(11) الموقظة (52) .3)
(12) العلل الصغير للترمذي (5/747 ، 748) .4)
(13) الكفاية (144) .5)
(14) الرسالة (ص382) .6)
(15) الجرح والتعديل (2/28) .7)
(16) تاريخ بغداد (9/26) .8)
(17) تاريخ بغداد (9/26) 1)
(18) الكامل لابن عدي (3/183) .2)
(19) تاريخ بغداد (9/26) .3)
(20) سير أعلام النبلاء (9/228) .4)
(21) الكفاية (435) .5)
(22) معرفة علوم الحديث (17) .6)
(23) شرح علل الترمذي (372 ، 373) .7)
(24) شرح علل الترمذي (372) .8)
(25) تهذيب الكمال (9/195) .9)
(26) 10) الكامل (1/144) .10)
(27) مقدمة صحيح مسلم (18) .1)
(28) الكامل لابن عدي (3/217) .2)
(29) شرح علل الترمذي (373) .3)
(30) سير أعلام النبلاء (11/543) .4)
(31) سؤالات الآحري لأبي داود السجستاني (1190) .5)
(32) شرح علل الترمذي (115) .6)
(33) الكفاية (118) .7)
(34) الكفاية (117) .1)
(35) الكفاية (118) .2)
(36) الجرح والتعديل (2/33) .3)