وأما من كان دون الصحابة ، من التابعين وأتباعهم ، وتبع الأتباع ومن دونهم فهم عل قسمين:
القسم الأول: مقبولة روايتهم . وهم ثلاث طبقات:
الأولى: كبار الحفاظ والأئمة النقاد: وفي روايتهم عن غيرهم ميزات وخصائص ترفع شأن حديثه .
قال أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم: منهم الثبت الحافظ الورع المتقن الجهبذ الناقد للحديث ، فهذا لا يختلف فيه . ويعتمد على جرحه وتعديله ، ويحتج بكلامه في الرجال (1) .
وقال الحاكم: والفهم عندنا أجل من الحفظ (2) .
وقال الإمام مالك: اعلم أنه ليس يسلم رجل حدث بكل ما سمع ، ولا يكون إمامًا أبدًا ، وهو يحدث بكل ما سمع (3) .
وقال عبد الرحمن بن مهدي: الأئمة ممن أدركنا أربعة: الأوزاعي وحماد ابن زيد وسفيان الثوري ومالك بن أنس ، وليس بإمام من حدث بكل ما سمع ، وحدث عن كل من لقي ، وحدث بكل ما يسأل عنه ، وحدث كل من يسأله (4) .
الثانية: الثبت المتقن:
قال ابن أبي حاتم: ومنهم العدل في نفسه ، الثبت في روايته ، الصدوق في نقله ، الورع في دينه ، الحافظ لحديثه ، المتقن فيه ، فذلك العدل الذي يحتج بحديثه ، ويوثق في نفسه (5) .
الثالثة: من تقبل روايته ولكن دون سابقه: وهم: المشايخ من الثقات والصدوقين .
وقال ابن أبي حاتم: ومنهم الصدوق الورع في دينه الثبت الذي يهم أحيانًا ، وقد قبله الجهابذة النقاد ، فهذا يحتج بحديثه أيضًا (6) .
وقد وردت آثار عن السلف وأئمة الحديث في الحث على طلب الحديث من الثقات:
فعن سليمان بن موسى ، قال: قلت لطاوس: حدثني فلان كيت وكيت . قال: إن كان صاحبك مليًا فخذ عنه (7) .
قال سعد بن إبراهيم: كان يقال: خذوا الحديث من الثقات (8) . وفي رواية: لا يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الثقات (9) .
وقال الثوري: إذا حدثك ثقة عن غير ثقة فلا تأخذ ، وإذا حدث غير ثقة عن ثقة فلا تأخذ ، وإذا حدثك ثقة عن ثقة فخذه (10) .
وقال الأوزاعي: خذ دينك عمن تثق به وترضى (11) .
وكان بهز بن أسد إذا ذكر له الإسناد الصحيح: هذه شهادات الرجال العدول المرضيين بعضهم على بعض ، وإذا ذكر له الإسناد فيه شئ قال: هذا فيه عهدة ، ويقول: لو أن لرجل على رجل عشرة دراهم ، ثم جحده لم يستطع أخذها منه إلا بشاهدين عدلين ، فدين الله أحق أن يؤخذ من العدول (12)
القسم الثاني: مردودة روايتهم . وهم منزلتان:
الأولى: لا يحتج بحديثه إذا انفرد ولا يسقط ويعتبر به في الشواهد والمتابعات:
قال ابن أبي حاتم: ومنهم الصدوق الورع المغفل ، الغالب عليه الوهم والخطأ والسهو والغلط ، فهذا يكتب من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والآداب ، ولا يحتج بحديثه في الحلال والحرام (13) .
وقال ابن مهدي: الناس ثلاثة: من حفظ عن الرجل الحافظ المتقن فهذا لا يختلف فيه ، وآخر يهم والغالب على حديثه الصحة فهذا لا يترك حديثه ، لو ترك حديث مثل هذا لذهب حديث الناس ، وآخر يهم والغالب على حديثه الوهم فهذا يترك حديثه ـ يعني لا يحتج (14) ـ. انتهى .
الثانية: شديد الضعف ، والمتهم بالكذب ، فلا يعتبر بهم في الشواهد والمتابعات:
قال ابن أبي حاتم: ومنهم من قد ألصق نفسه بهم ودلسًا بينهم ، ممن قد ظهر كذبه للنقاد العلماء بالرجال ، فهذا يترك حديثه وتطرح روايته ويسقط ولا يشتغل به (15) .
قال عروة بن الزبير: إني لأسمع الحديث فما يمنعني من ذكره إلا كراهية أن يسمع سامع فيقتدي به ؛ أسمعه من الرجل لا أثق به قد حدثه عمن أثق ،وأسمعه من الرجل أثق به قد حدث عمن لا أثق به (16)
قال الإمام مسلم: فأما ما كان عن قوم هم عند أهل الحديث متهمون أو عند الأكثر منهم ، فلسنا نتشاغل بتخريج حديثهم ، كعبد الله بن مسور أبي جعفر المدائني ، وعمرو بن خالد ، وعبد القدوس الشامي ، ومحمد بن سعيد المصلوب ،و غياث بن إبراهيم ، وسليمان بن عمرو أبي داود النخعي ، وأشباههم ممن اتهم بوضع الأحاديث وتوليد الأخبار .
كذلك من كان الغالب على حديثه المنكر أو الغلط ، أمسكنا أيضًا عن حديثهم .
وعلامة المنكر في حديث المحدث ، إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا ، خالفت روايته أو لم تكد توافقها ، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك ، كان مهجور الحديث غير مقبولة ولا مستعملة (17) .
قال ابن مهدي: لا يترك حديث رجل إلا رجلًا متهمًا بالكذب أو رجلًا الغالب عليه الغلط (18) .
وقال الترمذي: كل من كان متهمًا في الحديث بالكذب أو كان مغفلًا يخطئ الكثير ، فالذي اختاره أكثر أهل الحديث من الأئمة أنه لا يشتغل بالرواية عنه (19) .
قال ابن رجب: والذي يتبين من عمل الإمام أحمد وكلامه أنه يترك الرواية عن المتهمين والذين كثر خطؤهم للغفلة وسوء الحفظ ويحدث عمن دونهم في الضعف مثل من في حفظه شئ ، ويختلف الناس في تضعيف وتوثيقه . وكذلك كان أبو زرعة يفعل (20) .
وقال أبو حاتم بن حبان: إن الكثرة اسم يشتمل على معان شتى ، ولا يستحق الإنسان ترك روايته حتى يكون منه الخطأ ما يغلب على صوابه ، فإذا فحش ذلك منه وغلب على صوابه ، استحق مجانبة روايته ، وأما من كثر خطؤه ، ولم يغلب على صوابه ، فهو مقبول الرواية فيما لم يخطئ فيه ، واستحق مجانبة ما أخطأ فيه فقط ، مثل شرك وهشيم وأبي بكر بن عياش ، وأضرابهم كانوا يخطئون فيكثرون ، فروى عنهم واحتج بهم كتابة ، وحماد واحد من هؤلاء (21) .
قال الحميدي: فإن قال قائل: فما الحجة في الذي يغلط فيكثر غلطه ؟ قلت: مثل الحجة على الرجل الذي يشهد على من أدركه ، ثم يثبت على تلك الشهادة فلا يرجع عنها ، ولأنه إذا أكثر ذلك من لم يطمأن إلى حديثه وإن رجع عنه ، لما يخاف أن يكون مما يثبت عليه من الحديث مثل ما رجع عنه ، وليس هكذا الرجل يغلط في الشئ ، فيقال له فيه فيرجع ولا يكون معروفًا بكثرة الغلط (22)
قلت: وفائدة تقسيم الرواة إلى درجات هي قوة الاعتبار بهم ، وشد حديثهم إذا وهن ، وفيما إذا اختلفوا ترجح رواية الأقوى .
وأما الرواة المتأخرون ، فيتخفف في شروط الثقة لديهم .
قال ابن الصلاح: أعرض الناس في هذه الأعصار المتأخرة عن اعتبار مجموع ما بينا من الشروط في الحديث ومشايخه ؛ فلم يتقيدوا بها في رواياتهم لتعذر الوفاء بذلك على نحو ما تقدم ، وكان عليه ما تقدم .
ووجه ذلك: ما قدمناه في أول كتابنا هذا من كون المقصود المحافظة على خصيصة هذه الأمة في الأسانيد والمحاذرة من انقطاع سلسلتها .
فليعتبر من الشروط المذكورة ما يليق بهذا الغرض على تجرده ، وليكف في أهلية الشيخ بكونه مسلمًا بالغًا عاقلًا غير متظاهر بالفسق والسخف ، وفي ضبطه بوجود سماعه مثبتًا بخط غير متهم ، وبروايته من أصل موافق لأصل شيخه .
وقد سبق إلى نحو ما ذكرناه الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي رحمه الله تعال ؛ فإنه ذكر فيما رويناه عنه توسع من توسع في السماع من بعض محدثي زمانه الذي لا يحفظون حديثهم ، ولا يحسنون قراءته من كتبهم ، ولا يعرفون ما يقرأ عليهم بعد أن تكون القراءة من أصل سماعهم .
ووجه ذلك بأن الأحاديث التي قد صحت أو وقعت بين الصحة والسقم قد دونت وكتبت في الجوامع التي جمعها أئمة الحديث ولا يجوز أن يذهب شئ منها على جمعيهم ، وإن جاز أن يذهب على بعضهم لضمان صاحب الشريعة حفظها .
قال البيهقي: فمتى جاء اليوم بحديث لا يوجد عند جميعهم لم يقبل منه ومن جاء بحديث معروف عندهم فالذي يرويه ينفرد بروايته ، والحجة قائمة بحديثه برواية غيرة . والقصد من روايته والسماع منه أن يصير الحديث شرفًا لنبينا المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم . والله أعلم (23) . انتهى كلام ابن الصلاح رحمه الله .
(1) تقدمه الجرح والتعديل (6 ، 10) . (1) 1)
(2) سير أعلام النبلاء (14/504) . (2) 2)
(3) مقدمة صحيح مسلم (11) . (3) 3)
(4) الكامل لابن عدي (1/88) . (4) 4)
(5) تقدمة الجرح والتعديل (6 ، 10) . (5) 5)
(6) تقدمة الجرح والتعديل (6 ، 10) . (6) 6)
(7) مقدمة صحيح مسلم (15) . (7) 7)
(8) الجرح والتعديل (2/29) . (8) 8)
(9) مقدمة صحيح مسلم (15) . (9) 9)
(10) الجرح والتعديل (2/29) . (1) 1)
(11) الجرح والتعديل (2/29) . (2) 2)
(12) الجرح والتعديل (2/16) ، والكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي (1/148) ،ومثله ورد عن أبي غسان بن عمرو الرازي . أخرجه الخطيب البغدادي في الجامع (1/127 ، 128) . (3) 3)
(13) تقدمة الجرح والتعديل (6 ، 10) . (4) 4)
(14) الجرح والتعديل (2/38) . (5) 5)
(15) تقدمة الجرح والتعديل (7 ، 10) . (6) 6)
(16) الكامل (1/52) . (7) 7)
(17) صحيح مسلم (1/7) . (1) 1)
(18) الكفاية (143) . (2) 2)
(19) العلل الصغير (5/743) آخر كتابه الجامع . (3) 3)
(20) شرح علل الترمذي (85) . (4) 4)
(21) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (1/153 ، 154) . (5) 5)
(22) الكفاية (144) . (6) 6)
(23) مقدمة ابن الصلاح (57 ، 58) . (1) 1)