فأما الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ، فهؤلاء كما قال الله عز وجل فيهم: ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا ذلك الفوز العظيم ) [ التوبة: 100 ] .
وقال تعالى: ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحًا قريبًا ) [ الفتح: 18 ] .
قال تعالى: ( للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون * والذين تبوءو الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) [ الحشر: 8 ، 9 ] .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا تسبوا أصحابي ، فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصفيه ) ) (1) .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجئ قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته ) ) (2) .
قال الإمام أحمد رحمه الله: ومن انتقص أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو أبغضه لحدث كان منه ، أو ذكر مساوئه كان مبتدعًا ، حتى يترحم عليهم جميعًا ويكون قلبه لهم سليمًا (3) .
قال أبو زرعة الرازي رحمه الله: إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق ، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق والقرآن حق ، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة ، والجرح بهم أولى ، وهم الزنادقة (4) .
وقال ابن عدي: فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لحق صحبتهم وتقادم قدمهم في الإسلام لكل واحد منهم في نفسه حق وحرمة ، فهم أجل من أن يتكلم أحد فيهم (5) .
وقال ابن حاتم بن حبان رحمه الله تعالى: فإن قال قائل: فكيف جرحت من بعد الصحابة وأبيت ذلك في الصحابة ، والسهو والخطأ موجود في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وجد فيمن بعدهم من المحدثين ؟
يقال له: إن الله ـ عز وجل ـ نزه أقدار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثلب قادح ، وصان أقدارهم عن وقيعة منتقص ، وجعلهم كالنجوم يقتدى بهم ، فالثلب لهم غير حلال والقدح فيهم ضد الإيمان ، والتنقيص لأحدهم نفس النفاق ؛ لأنهم خير الناس قرنًا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بحكم من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى صلى الله عليه وسلم .
…وإن من تولى رسول الله صلى الله عليه وسلم إبداعهم ما ولاه الله بيانه للناس ، لبالحري من أن لا يجرح ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يودع أصحابه الرسالة وأمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب إلا وهم عنده صادقون جائز والشهادة ، ولو لم يكونوا كذلك لم يأمرهم بتبليغ من بعدهم ما شهدوا منه ؛ لأنه لو كان كذلك لكان فيه قدح في الرسالة . وكفى بمن عدله الله ورسوله صلى الله عليه وسلم شرفًا ، وإن من بعد الصحابة ليسوا كذلك ، لأن الصحابي إذا أدى إلى من بعده يحتمل أن يكون المبلغ إليه منافقًا ، أو مبتدعًا ضالًا ينقص من الخير أو يزيد فيه ، ليضل به العالم من الناس ، فمن أجله فرقنا بينهم وبين الصحابة ، إذ صان الله ـ عز وجل ـ أقدار الصحابة عن البدع والضلال . جمعنا الله وإياهم في مستقر رحمته بمنه (6) . قلت: آمين . وقد كانوا ـ ولأجل عظيم عدالتهم ـ لا يحدثون إلا بما يتقنون .
عن عبد الرحمن بن يزيد ، قال: كان عبد الله يمكث السنة لا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أخذته الرعدة ، ويقول: أو هكذا أو نحوه أو شبهه (7) .
وعن عمرو بن ميمون ، قال: اختلفت إلى عبد الله بن مسعود سنة فما سمعته يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا أنه جرى على لسانه يومًا فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعلاه كرب حتى جعل يعرق ، ثم قال: إن شاء الله ذا ، أو دون ذا أو نحوه (8) .
وعن ابن أبي ليلى ، قال: كنا إذا أتينا زيد بن أرقم فنقول له: حدثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . يقول: إنا كبرنا ونسينا ، والحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد (9) .
عن الشعبي،قال: جالسن ابن عمر سنة،فما سمعته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا (10)
قال عبدوس بن مالك العطار: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ذكر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بدر ، فقال: ثم أفضل الناس بعد هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، القرن الذي بعث فيهم ، كل من صحبه سنة أو شهرًا أو يومًا أو ساعة أو رآه ، فهو من أصحابه ، له من الصحبة على قدر ما صحبه ، وكانت سابقته معه وسمع منه ونظر إليه (11) .
وقال أبو عبد الله البخاري رحمه الله: من صحب النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه (12) . انتهى .
وتثبت صحة الراوي بالشهرة ، كالعشرة البمشرين بالجنة وغيرهم ، وباتصال الإسناد سواء بالتصريح بالسماع عن النبي صلى الله عليه وسلم أو المعاصرة بشرطها .
ومما يدل على صحبة الراوي رواية كبار التابعين عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلى ذلك عمل أهل العلم بالحديث .
وآخر الصحابة موتًا عامر بن وائلة ـأبو الطفيل ـ ومن مات بعده ليست له صحبة .
قال الإمام مسلم: مات أبو الطفيل سنة مائة وكان آخر من مات من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم (13) .
قلت: فكل من مات بعده فليس من الصحابة . ومما يشير إلى عدم صحبة الراوي الذي لم تثبت صحبته ، روايته عن الصحابة (14) .
(1) صحيح البخاري (3673) . (2) 2)
(2) صحيح البخاري (3651) . (3) 3)
(3) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/182) . (4) 4)
(4) الكفاية (49) . (5) 5)
(5) الكامل في ضعفاء الرجال (3/208) . (1) 1)
(6) كتاب المجروحين (1/33 ، 34) . (2) 2)
(7) المحدث الفاصل (734) . (3) 3)
(8) المحدث الفاصل (734) ، ونحوه عن ابن ماجه (737) . (4) 4)
(9) سنن ابن ماجه (25) ، والمحدث الفاصل (737) . (1) 1)
(10) سنن ابن ماجة (26) ، والمحدث الفاصل (739) . (2) 2)
(11) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (1/180) ، ، والكفاية (51) . (3) 3)
(12) فتح الباري (7/5) ، والكفاية (51) . (4) 4)
(13) تهذيب الكمال (14/81) . (5) 5)
(14) الكامل لابن عدي (7/288) . (6) 6)