فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 40

على المطلع على كتب الرجال ، الباحث عن أحوال الرواة مراعاة قواعد في الجرح والتعديل ، وهذا بعد التأكد من أن صاحب الترجمة هو الواقع في السند ، وذلك بمعرفة اسمه كاملًا وكنيته ولقبه وطبقته وتاريخ ولادته ووفاته وشيوخه وتلامذته ، حتى يتم التمييز بين الرواة (1) ، وبعد هذا كله ينبغي أن تطبق قواعد هي:

القاعدة الأولى: يبحث عن رأي كل إمام فيه ، وينص عبارته إن أمكن (2) ، والتثبت من نسبة القول إليه .

فقد روى الكديمي عن علي بن المديني عن يحيى بن سعيد قوله: لا أروي عن أبن العطار . والكديمي ليس بمتعمد ، وأبان ثبت في كل المشايخ (3) .

وقال أبو عبيد الآجري: قلت لأبي داود: حكى رجل عن شيبان الأبلي أنه سمع شعبة يقول: اكتبوا عن أبي أمية بن يعلى ؛ فإنه شريف لا يكذب . واكتبوا عن الحسن بن دينار ؛ فإنه صدوق . فكذب الذي حكى هذا .

قال أبو عبيد: غلام خليل حكى هذا عن شيبان . فقال أبو داود: كذب الذي حكى هذا (4) .

وقال حمزة بن يوسف السهمي: سألت أبا بكر عن عبدان عن ابن عقدة إذا حكى حكاية عن غيره في الشيوخ في الجرح ، هل يقبل قوله ؟ قال: لا يقبل (5) .

القاعدة الثانية: قلت: وينبغي الاعتناء بمسألة الجمع والتفريق بين الرواة ؛ (6) فإنه يحصل بها اشتباه كثير .

قال المعلمي: ليس تثبت أن تلك الكلمة في صاحب الترجمة ؛ فإن الأسماء تتشابه ، وقد يقول المحدث كلمة في راو فيظنها السامع في آخر ، ويحكيها كذلك ، وقد يحكيها السامع فيمن قبلت فيه ، ويخطئ بعض من بعده فيحملها على آخر (7) .

قال الحافظ الذهبي: ذكر عمر بن نافع مولى ابن عمر ابن عدي وروى عن يحيى بن معين قال: عمر بن نافع ليس حديثه بشئ ؛ فوهم ابن عدي ؛ فإن آخر ، وهو عمر بن نافع الثقفي . وقال ابن معين في عمر بن نافع مولى ابن عمر: ليس به بأس (8) .

القاعدة الثانية: نقد الرواة أمر خطير ،فلا يقبل إلا من ورع في الحكم على الناس ، عالم بإسباب الجرح والتعديل ، ومطلع على أحوال الرواة ، وهذه صفة علماء الجرح والتعديل من أئمة السنة

ولكن بعض من تكلم في هذا العلم قد أخطأ في كثير من أحكامه ، وهو في نفس الأمر ضعيف في النقل ؛ فلا يقبل منه جرحه ولا تعديله ، كأبي الفتح الأزدي الموصلي ، فإن في لسانه رهقًا في الجرح ويجرح المجهولين ، ويكثر ذلك منه ، وضعفه البرقاني والخطيب البغدادي وأهل الموصل .

وقال الذهبي: وعليه في كتابه في الضعفاء مؤاخذات ، فإنه ضعف جماعة بلا دليل ، وقد يكون غيره وثقهم (9) .

القاعدة الثالثة: النظر في كلام الناقد ، وكيف صدر ، وملابسات صدور هذا الحكم .

اعلم أن الأحكام على الرواة المنقولة عن النقاد على مراتب:

المرتبة الأولى: حكم لا يخالفه غيره إلا لتغير الاجتهاد . وهو ما قصد به الحكم على الراوي بالنظر

إلى جميع مروياته وحاله من الضبط وعدمه فيها .

المرتبة الثانية: حكم الأصل فيه على أنه على بابه ، ولكن إذا نقل عن الناقد أو غيره ما يخالفه لم يعتد به ، ويكون في صور:

الصورة الأولى: أن يسأل الناقد عن روايين أحدهما دون الآخر في الحفظ ، فيحكم على أحدهما

بالضعف أو التوثيق ، أي: بالنسبة للآخر وقد يكونون ضعفاء ، وقد يكونون ثقات (10) .

قال عثمان الدارمي: سألت ابن معين عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه كيف حديثهما ؟ فقال: ليس به بأس . قلت: هو أحب إليك من سعيد المقبري ؟ فقال: سعيد أوثق والعلاء ضعيف (11) .

قال ابن حجر: يعني بالنسبة إليه ، يعني كأنه لما قال: أوثق ، خشي أنه يظن أنه يشاركه في الصفة وقال: إنه ضعيف (12) . انتهى .

الصورة الثانية: أن يجمع الرواة في حكم كالتوثيق مثلًا ، فإن اختلف هذا مع أحكامه الأخرى فيحمل على أن له حظًا من التوثيق (13) ، أو يكون حكمًا على التغليب .

وقال يحيى بن معين: معاوية بن يحيى الصدفي ، روى عنه الزهري ، ومعاوية بن يحيى الآخر الأطرابلسي ، ضعاف ليسوا بشئ . انتهى .

ومعاوية الصدفي ضعيف ، قال فيه ابن معين: هالك ليس بشئ (14) .

وقال معاوية الأطرابلسي: ليس به بأس . وقال مرة: هو أقوى من معاوية بن يحيى الصدفي . وقال مرة أخرى: صالح ، ليس بالقوي (15) .

وحاصل ذلك: أن أبا مطيع فيه شئ من الضعف ولا ينزل إلى ضعف الصدفي ، ولكنه لما جمعهما في حكم واحد كان حكمه ليس على ظاهره وإنما أراد له حظًا من الضعف .

الصورة الثالثة: أن يحكم الناقد عليه في صدد النظر في حديث خاص من روايته .

قال عبد الرحمن بن القاسم: قيل لمالك: إن ناسًا من أهل العلم يحدثون . قال: من هم ؟ فقيل له: ابن عجلان يعرف هذه الأشياء ولم يكن عالمًا .

قال الذهبي معقبًا: قال مالك هذا لما بلغه أن ابن عجلان حدّث بحديث: (( خلق الله آدم على صورته ) ). ولابن عجلان فيه متابعون ، وخّرج في الصحيح (16) .

وقال أحمد بن القاسم: رأيت أحمد ضعيف رواية عكرمة ولم ير روايته حجة . قال أبو بكر الخلال: هذا في حديث خصا ، وعكرمة عند أبي عبد الله ثقة يحتج بحديثه (17) .

وقال المعلمي رحمه الله: ينبغي أن تعلم أن كلام المحدث في الراوي يكون على وجهين:

الأول: أن يسأل عنه فيجيل فكره في حاله في نفسه وروايته ، ثم يستخلص من مجموع ذلك معنى يحكم به .

الثاني: أن يستقر في نفسه هذا المعنى ثم يتكلم في ذاك الراوي في صدد النظر في حديث خاص من روايته ، فالأول هو الحكم المطلق الذي لا يخالفه حكم آخر مثله إلا لتغير الاجتهاد .

أما الثاني فإنه كثيرًا ما ينحى به نحو حال الراوي في ذاك الحديث (18) . انتهى .

وقد قال أبو بكر أحمد بن إبراهيم الجرجاني: قد يخطر على قلب المسؤول عن الرجل من حاله في الحديث وقتًا: ما ينكره قلبه ، فيخرج الجواب على حسب النكرة التي في قلبه ، ويخطر له ما يخالفه في وقت آخر ، فيجيب على ما يعرفه في الوقت منه ويذكره ، وليد ذلك تناقضًا ولا إحالة ، ولكنه قول صدر عن حالين مختلفين ، يعرض أحدهما في وقت والآخر في غيره (19) .

المرتبة الثالثة: حكم لا يلتفت إليه بالنسبة لقبول رواية المحدث أو ردها . ويكون فيه الناقد متأثرًا في حكمه بما لا يقدح في الراوي ، وهذه الحالة نادرة ، وقد نبه العلماء عليها ، كقدح الساخط ومدح المحب .

قال المعلمي: والعالم إذا سخط على صاحبه فإنما يكون سخطه لأمر ينكره ، فيسبق إلى النفس ذاك الإنكار وتهوى ما يناسبه ، ثم تتبع ما يشاكله وتميل عند الاحتمال والتعارض إلى ما يوافقه ، فلا يؤمن أن يقوى عند العالم جرح من هو ساخط عليه لأمر لولا السخط لعلم أنه لا يوجب الجرح ، وأهل العلم يمثلون لجرح الساخط بكلام النسائي في أحمد بن صالح .

هذا وكل ما يخشى في الذم والجرح يخشى في الثناء والتعديل ؛ فقد يكون الرجل ضعيفًا في الرواية لكنه صالح في دينه كابان بن أبي عياش ، أو غيور على السنة كمؤمل بن إسماعيل ، أو فقيه كمحمد بن أبي ليلى ، فتجد أهل العلم ربما يثنون على الرجل من هؤلاء غير قاصدين الحكم له بالثقة في روايته . وقد يرى العالم أن الناس بالغوا في الطعن فيبلغ في المدح ، كما يروى عن حماد بن سلمة أنه ذكر أنه طعن شعبة في أبان بن أبي عياش ، فقال: أبان خير من شعبة (20) . انتهى .

ويدخل فيه: كلام أهل المذاهب في مخالفيهم ؛ كقدح الجوزجاني في الكوفيين .

ويدخل فيه: كلام الأقران بعضهم في بعض ، قال الذهبي رحمه الله: محمد بن عبد الله بن سليمان

الحضرمي ، الحافظ ، محدث الكوفة ، حطّ عليه محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، وحط على ابن أبي

شيبة ، وآل أمرهما إلى القطيعة . ولا يعتد بحمد الله بكثير من كلام الأقران بعضهم في بعض (21) .

قلت: هذا فيمن تثبت عدالتهم بيقين فلا يقبل فيه الجرح إلا مفسرًا (22) ، أما فيمن لم تثبت ، وكان الجارح ورعًا ـ وكذلك كان أئمة السنة ـ فإنه يقبل ، وإلا رد كلام أهل السنة في أهل الرأي والبدعة والزيغ بحجة المعتقد والمنهج .

وقال المعلمي: ومع هذا كله فالصواب في الجرح والتعديل هو الغالب ، وإنما يحتاج إلى التثبت والتأمل فيمن جاء فيه تعديل وجرح ، ولا يسوغ ترجيح التعديل مطلقًا بأن الجارح كان ساخطًا على المجروح ، ولا ترجيح الجرح مطلقًا بأن المعدل كان صديقًا له ، وإنما يستدل بالسخط والصداقة على قوة احتمال الخطأ إذا كان محتملًا ، فأما إذا لزم من اطراح الجرح أو التعديل نسبة من صدر منه ذلك إلى افتراء الكذب أو تعمد الباطل أو الغلط الفاحش الذي يندر وقوع من مثله ، فهذا يحتاج إلى بينة أخرى ، لا يكفي فيه إثبات أنه كان ساخطًا أو محبًا (23) .

القاعدة الرابعة: الاستفادة من طريقة الحفاظ العملية تجاه هذا الراوي ، حيث يفسر كلامهم بتطبيقهم العملي .

قال المعلمي: التحقيق أن كلًا من التعديل والجرح الذي لم يبن سببه يحتمل وقوع الخلل فيه ، والذي ينبغي أن يؤخذ به منهما هو ما كان احتمال الخلل قيه أبعد من احتماله في الآخر ، وهذا يختلف ويتفاوت باختلاف الوقائع ، والناظر في زماننا لا يكاد يتبين له الفضل في ذلك إلا بالاستدلال بصنيع الأئمة كما إذا وجدنا البخاري ومسلمًا قد احتجا أو أحدهما براو سبق ممن قبلهما فيه جرح غير مفسر ، فإنه يظهر لنا رجحان التعديل غالبًا ، وقس على هذا .

لكن ينبغي النظر في كيفية رواية الشيخين عن الرجل فقد يحتجان أو أحدهما بالراوي في شئ وقد لا يحتاج به ، وإنما يخرجان له ما توبع عليه ، ومن تتبع ذلك وأمعن فيه النظر علم أنهما في الغالب لا يهملان الجرح ألبتة ، بل يحملانه على أمر خاص أو على لين في الراوي لا يحطه عن الصلاحية به فيما ليس مظنة الخطأ أو فيما توبع عليه ونحو ذلك ، راجع الفصل التاسع من مقدمة فتح الباري (24) .

القاعدة الخامسة: معرفة الألفاظ التي يستخدمها الناقد وتفسيرها .

قال الذهبي: ثم نحن نفتقر إلى تحرير عبارات التعديل والجرح وما بين ذلك من العبارات المتحاذبة .

ثم أهم من ذلك أن نعلم بالاستقراء التام: عرف ذلك الإمام الجهبذ واصطلاحه ومقاصده بعباراته

الكثيرة (25) .

(1) التنكيل (1/62) . (5) 5)

(2) التنكيل (1/64 ـ 65) . (6) 6)

(3) ميزان الاعتدال (1/16) . (7) 7)

(4) سؤالات أبي عبيد الآجري أبا داود السجستاني (956) . (1) 1)

(5) سؤالات حمزة بن يوسف السهمي (166) . (2) 2)

(6) أدرجت عنوان القاعدة الثانية

(7) التنكيل (1/62) . (3) 3)

(8) ميزان الاعتدال (3/226 ، 227) . (4) 4)

(9) سير أعلام النبلاء (16/348) . (5) 5)

(10) التنكيل (1/65) . (1) 1)

(11) تاريخ عثمان بن سعيد الدارمي عن يحيى بن معين (623 ، 624) . (2) 2)

(12) تهذيب التهذيب (8/161) . (3) 3)

(13) التنكيل (1/362) . (4) 4)

(14) تهذيب الكمال (28/222) . (5) 5)

(15) تهذيب الكمال (28/225) . (6) 6)

(16) ميزان الاعتدال (3/326) . (1) 1)

(17) شرح علل الترمذي (194) . (2) 2)

(18) التنكيل (1/363) . (3) 3)

(19) جواب الحافظ المنذري عن أسئلة في الجرح والتعديل (89) . (4) 4)

(20) التنكيل (1/56) ، وانظر: ميزان الاعتدال (1/103 ، 104) . (1) 1)

(21) ميزان الاعتدال (3/607) . (1) 1)

(22) السنن الكبرى للبيهقي (10/124) ، وجامع بيان العلم وفضله (2/162) . (2) 2)

(23) التنكيل (1/57) . (3) 3)

(24) التنكيل (1/73 ، 74) . (4) 4)

(25) الموقظة (82) . (1) 1)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت