قال المعلمي: صيغ الجرح والتعديل كثيرًا ما تطلق على معان مغايرة لمعانيها المقررة في كتب المصطلح ، ومعرفة ذلك تتوقف على طول الممارسة واستقصاء النظر (1) .
قلت: وتفسر مصطلحاتهم بأمور ؛ كتفسير الناقد نفسه ، وتفسير غيره ـ من أهل الاستقراء ـ لكلامه ، وبمقارنة أقواله بأقواله الأخرى في الراوي . ومقارنة أقواله بأقوال غيره في هذا الراوي ، ومن خلال الأحاديث التي رواها الراوي .
وقال ابن القطان الفاسي في كلمة ( شيخ ) : هذه اللفظة يطلقونها على الرجل إذا لم يكن معروفًا بالراوية ممن أخذ عنه ، وإنما وقعت له رواية الحديث أو أحاديث فهو يرويها ، هذه الذي يقولون فيه شيخ .
وقد لا يكون من هذه صفته من أهل العلم ، وقد يقولونها للرجل باعتبار قلة ما يرويه عن شخص مخصوص ، كما يقولون حديث المشايخ عن أبي هريرة أو عن أنس ، فيسوقون في ذلك روايات لقوم مقلين عنهم ، وإن كانوا مكثرين عن غيرهم ، وكذلك إذا قالوا أحاديث المشايخ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنما يعنون من ليس له عنه إلا الحديث أو الحديثان ونحو ذلك (2) . انتهى .
قال الذهبي في قول أحمد: كذا وكذا ؛ قال: هذه العبارة يستعملها عبد الله ابن أحمد كثيرًا فيما يجيبه به والده ، وهي بالاستقراء كتابة عمن فيه لين (3) .
قال البخاري: كل من قلت فيه: منكر الحديث فلا تحل الرواية عنه (4) .
وقال ابن أبي خيثمة: قلت ليحيى بن ميع: إنك تقول: فلان ليس به بأس وفلان ضعيف ؟ قال: إذا قلت لك: ليس به بأس فهو ثقة ، وإذا قلت لك: هو ضعيف فليس هو بثقة ، لا تكتب حديثه .
وقال حمزة بن يوصف السهمي للدار قطني: إذا قلت: فلان لين إيش تريد به ؟ قال: لا يكون ساقطًا متروك الحديث ولكن مجروحًا بشئ لا يسقط عنه العدالة (5) .
قلت: وقد يطلق لفظ ( ثقة ) ويراد به في العدالة الدينية ، كقول يحيى ابن سعيد الأنصاري: عبد الرحمن بن زياد ثقة . وقال أبو موسى محمد بن المثنى: ما سمعت يحيى ولا عبد الرحمن يحدثان عن سفيان عنه . أي عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي . وقال عنه يعقوب بن شيبة: ضعيف الحديث ، وهو ثقة صدوق رجل ، وكان من الأمارين بالمعروف والناهين عن المنكر (6) .
وكذلك من خبايا كلامهم ونقدهم ، أنهم إذا سئلوا عن راو ، ثم حادوا عن الجواب كان هذا دليلًا على ضعفه .
مثل مجاعة بن الزبير الأسدي ، قال عبد الصمد بن عبد الوارث: كان جارًا لشعبة ، فكان يسأل عنه ، فكان لا يجترئ عليه ؛ لأنه كان من العرب ، فكان يقول: كثير الصوم والصلاة (7) .
وقال ابن الجنيد: سألت يحيى عن يحيى بن يعلى الأسلمي ؟ فقال: كان عابدًا (8) . ونقل الدورقي عنه: ليس بشئ ، وقد ضعفه غيره (9) .
القاعدة السادسة: معرفة منهج الناقد .
فأبو حاتم بن حبان مثلًا تشتد ألفاظه في المختلط وصاحب البدعة ، وأبو حاتم الرازي عسر في التعديل ولكن يستخدم عبارات لينة في الجرح فيظن أنه قواه وليس كذلك ، وكذلك إبراهيم الحربي والبزار والترمذي والبيهقي عباراتهم لينة في الجرح ، وابن عدي لا يبالغ في التوثيق ولا في الجرح .
وقال المعلمي: ومذاهب النقاد للرجال غامضة دقيقة ، وربما سمع بعضهم في الراوي أدنى مغمز فتوقف عن الاحتجاج بخبره ، وإن لم يكن الذي سمعه موجبًا لرد الحديث ولا مسقطًا للعدالة ، ويرى السامع أن ما فعله هو الأولى رجاء إن كان الراوي حيًا أن يحمله على التحفظ وضبط نفسه عن الغميزة ، وإن كان ميتًا أن ينزله من نقل عنه منزلته فلا يلحقه بطبقة السالمين من ذلك المغمز ، ومنهم من يرى أن من الاحتياط للدين إشاعة ما سمع من الأمر المكروه الذي لا يوجب إسقاط العدالة بانفراده حتى ينظر هل من أخوات ونظائر ؟! (10) .
وإن تضاربت أقوالهم ولم يمكن الجمع فالترجيح بقواعد غير ما سبق ، هي:
القاعدة السابعة: أن نتعامل مع أقوال العلماء عند تعارضها ، وكذا أقوال الناقد إذا اختلف النقل عنه كما نتعامل عند تعارض نصوص الكتاب والسنة .
فنحاول الجمع أولًا بين الأقوال المختلفة ما أمكن .
قال المعلمي: وإذا فصلوا أو أكثرهم الكلام في راو فثبتوه في حال وضعفوه في أخرى فالواجب أن لا
يؤخذ حكم ذاك الراوي إجمالًا إلا في حديث لم يتبين من أي الضربين هو ، فالواجب معاملته بحسب
حاله (11) .
قلت: ومن طرق الجمع التوسط بين الأقوال في الراوي .
وقال المعلمي رحمه الله: إذا اختلفوا في راو فوثقه بعضهم ولينه بعضهم ولم يأت في حقه تفصيل فالظاهر أنه وسط فيه لين مطلقًا (12) .
فإن لم يكن الجمع نلجأ إلى النسخ ، إذا تبين تغير اجتهاد الناقد بمعرفة المتقدم من المتأخر ، فإن لم نعرف من المتقدم لجأنا إلى المرجحات وهي كثيرة ؛ ومنها تقديم نقل من لازمه ومن هو أعلم بأقواله
وإلا فقال المعلمي: وإذا اختلف النقل عن إمام أو اشتبه أو ارتيب فينظر في كلام غيره من الأئمة ، وقضي فيما روى عنه بما ثبت عنهم (13) .
وقال أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم: اختلفت الراوية عن يحيى بن معين في مبارك بن فضالة والربيع بن صبيح ، وأولاهما أن يكون مقبولًا منهما محفوظًا عن يحيى ما وافق أحمد وسائر نظرائه (14) .
القاعدة الثامنة: الجرح المفسر مقدم على التعديل بشرط أن يكون الجرح بجارح حقيقي ، وألا يظهر أن الجارح أخطأ كأن يرد المعدل على هذا الجرح ردًا في مكانه .
وهذا كما في عمر بن ربيعة الإيادي .
قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه ، فقال: منكر الحديث . ونقل عن عثمان بن سعيد الدارمي أنه سأل يحيى بن معين عنه . فقال: كوفي ثقة (15) .
فيقد ـ والله أعلم ـ قول ابن أبي حاتم في هذا ، لا سيما وقد روى أحاديث منكرة في التشيع (16) .
وقال ابن أبي خيثمة: قلت لمصعب الزبير: إن ابن معين يقول في ابن كاسب أن حديثه لا يجوز ؛ لأنه محدود ، قال: بئس ما قال ، إنما حدّه الطالبيون في التحامل ، وليس حدود الطالبيين عندنا بشئ لجورهم ، وابن كاسب ثقة مأمون صاحب حديث ، وكان من أمناء القضاء زمانًا (17) .
القاعدة التاسعة: الجرح المبهم مقدم على التعديل ؛ لأن الجارح عنده زيادة علم ومعرفة ليست عند المعدل ، إلا إذا لاحت قرائن ، فيقدم التعديل .
تقديم حكم من له معرفة بهذا الراوي .
ومن ذلك تقديم أهل بلد الراوي على غيرهم ؛ لأنهم أعرف به .
قال حماد بن زيد: كان الرجل يقدم علينا من البلاد ويذكر الرجل ويحدث عنه ويحسن الثناء عليه ، فإذا سألنا أهل بلده وجدناه غير ما يقول . وكان يقول: بلدي الرجل أعرف بالرجل (18) .
وقال علي بن المديني: كل مدتي لم يحدث عنه مالك ففي حديثه شئ ، لا أعلم مالكًا ترك إنسانًا إلا إنسانًا في حديث شئ (19) .
قلت: وقد يتزين لغير أهل بلده الوافدين والنقاد منهم خاصة .
قال ابن الجنيد: قلت ليحيى: محمد بن كثير الكوفي ؟ قال: ما كان به بأس . قلت: إنه روى أحاديث مناكير . قال: ما هي ؟ قلت: عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن النعمان بن بشير يرفعه: (( نضر الله عبدًا سمع مقالتي فبلغ بها ) ). وبهاذ الإسناد المرفوع (( اقرأ القرآن ما نهاك ، فإذا لم ينهك فلست تقرؤه ) ). فقال: من روى هذا ؟ فقلت: رجل من أصحابنا . أعني له: محمد ابن عبد الحميد الحميدي . فقال: هذا عسى أن يكون سمعه من السندي بن شاهك ، وإن كان الشيخ روى هذا فهو كذاب ، وإلا رأيت حديث الشيخ مستقيمًا (20) .
ومن ذلك تقديم توثيق القرين لقرينه ؛ لأن الأقران في الغالب لا يبالغون في مدح أقرانهم .
وقد يقوي الحافظ راويًا على آخر ؛ لنه يعرف من قواه ويجهل من استضعفه ، مثل تقوية يحيى بن سعيد القطان محمد بن عمرو وعلى سهيل بن أبي صالح . وكتقوية علي بن المديني سفيان بن عيينة على مالك بن أنس في الزهري وذلك لأن عليًا تخرج على سفيان وجهل مالكًا .
وأعرف الناس بالشيخ تلاميذه النقاد ؛ لأنهم أدرى بحاله ، وأوعب لحديثه من غيرهم .
ويقدم حكم المتأخر على حكم المعاصر للراوي ،إذا ظهر أن المتقدم لم يستوعب حديث الراوي (21)
ومن المرجحات أن يقدم قول المتمكن في علم الجرح والتعديل على غيره .
فيقدم قول المكثر على المقل ؛ لأن إكثاره يدل على اهتمامه وتمكنه من هذا الفن .
ويقدم قول المجتهد على المقلد ؛ لأن الأخير يقلد غيره فلا يجعل لأحكامه كبير أهمية ، وهذا قليل في المكثرين ، مثل العقيلي يقلد البخاري ، ومسلمة بن قاسم يقلد النسائي .
وكذا يقدم حكم المعتدل على المتشدد والمتساهل ، عند التعارض .
قال علي بن المديني: أبو نعيم وعفان صدوقان ، لا أقبل كلامهما في الرجال ، هؤلاء لا يدعون
أحدًا إلا وقعوا فيه (22) .
وقال علي: إذا اجتمع يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي على ترك رجل لم أحدث عنه ، فإذا اختلفا أخذت بقول عبد الرحمن لأنه أقصدهما ، وكان في يحيى تشدد (23) .
قال الحافظ الذهبي رحمه الله: اعلم هداك الله أن الذين قبل الناس قولهم في الجرح والتعديل ثلاثة أقسام:
قسم تكلموا في أكثر الرواة كابن معين وأبي حاتم الرازي .
وقسم تكلموا في كثير من الرواة كمالك وشعبة .
وقسم تكلموا في الرجل بعد الرجل كابن عيينة والشافعي .
والكل أيضًا على ثلاثة أقسام:
*قسم متعنت في الجرح متثبت في التعديل ، يغمز الراوي بالغلطين والثلاث ، ويلين حديثه ، فهذا إذا وثق شخصاُ فعض على قوله بناحذبك ، وتمسك بتوثيقه . وإذا ضعف رجلًا فانظر هل وافقه غيره على تضعيفه ، فإن وافقه ولم يوثق ذاك أحد من الحذاق فهو ضعيف ، وإن وثقه أحد فهذا الذي قالوا فيه: لا يقبل تجريحه إلا مفسرًا ، يعني لا يكفي أن يقول فيه ابن معين مثلًا: هو ضعيف ، ولم يتضح سبب ضعفه وغيره قد وثقه ، فمثل هذا يتوقف في تصحيح حديثه وهو إلى الحسن أقرب ، وابن معين وأبو حاتم والجوزجاني متعنتون .
*وقسم في مقابلة هؤلاء ، كأبي عيسى الترمذي وأبي عبد الله الحاكم وأبي بكر البيهقي متساهلون .
*وقسم كالبخاري وأحمد بن حنبل وأبي زرعة وابن عدي معتدلون منصفون (24) .
(1) مقدمة المعلمي على الفوائد المجموعة للشوكاني (9) . (2) 2)
(2) بيان الوهم والإيهام (3/539) . (3) 3)
(3) ميزان الاعتدال (4/483) . (4) 4)
(4) ميزان الاعتدال (1/6) . (5) 5)
(5) سؤالات السهمي للدار قطني برقم (1) . (6) 6)
(6) تهذيب الكمال (17/1052 ـ 107) . (1) 1)
(7) الضعفاء الكبير للعقيلي (4/255) . (2) 2)
(8) سؤالات ابن الجنيد ليحيى بن معين (850) . (3) 3)
(9) تهذيب الكمال (32/52) . (4) 4)
(10) التنكيل (1/103) . (5) 5)
(11) التنكيل (2/33) . (1) 1)
(12) التنكيل (2/32) . (2) 2)
(13) التنكيل (1/415) . (3) 3)
(14) الجرح والتعديل (8/339) . (4) 4)
(15) الجرح والتعديل (6/109) . (5) 5)
(16) انظر: تهذيب الكمال (33/306 ، 307) . (6) 6)
(17) تهذيب التهذيب (11/384) . (7) 7)
(18) الكفاية (106) . (1) 1)
(19) شرح علل الترمذي (129) . (2) 2)
(20) سؤالات ابن الجنيد برقم (887) ، وتهذي التهذيب (9/418 ، 419) ، وانظر: ترجمة محمد بن حميد الرازي . (3) 3)
(21) انظر: التنكيل (2/13) . (4) 4)
(22) تهذيب الكمال (20/168) . (1) 1)
(23) تهذيب الكمال (7/438) . (2) 2)
(24) هذا ما قدم به كتابه ( ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل ) ( 158 ، 159) . (3) 3)