وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ،قَالَ: دَخَلَ عَلَيَّ أَبِي وَأَنَا أَغْتَسِلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ،فَقَالَ: غُسْلٌ مِنْ جَنَابَةٍ أَوْ لِلْجُمُعَةِ ؟ قَالَ: قُلْتُ: مِنْ جَنَابَةٍ،قَالَ: أَعِدْ غُسْلا آخَرَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَانَ فِي طَهَارَةٍ إِلَى الْجُمُعَةِ الأُخْرَى" [1] ."
وهو أمرٌ مؤكد جدًا،ووجوبه أقوى مِن وجوب الوتر،وقراءة البسملة في الصلاة،ووجوب الوضوءِ من مس النساء،ووجوب الوضوءِ مِن مرِّ الذكر،ووجوب الوضوءِ من القهقهة في الصلاة،ووجوب الوضوءِ من الرُّعاف،والحِجامة،والقيء،ووجوب الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في التشهد الأخير،ووجوب القراءة على المأموم.
وللناس في وجوبه ثلاثةُ أقوال: النفيُ والإِثبات،والتفصيلُ بين من به رائحة يحتاج إلى إزالتها،فيجب عليه،ومن هو مستغن عنه،فيستحب له،والثلاثة لأصحاب أحمد.
قالَ ابن دَقِيق العِيد: فِي الحَدِيث دَلِيل عَلَى تَعلِيق الأَمر بِالغُسلِ بِالمَجِيءِ إِلَى الجُمُعَة،واستُدِلَّ بِهِ لِمالِكٍ فِي أَنَّهُ يُعتَبَر أَن يَكُون الغُسل مُتَّصِلًا بِالذَّهابِ،ووافَقَهُ الأَوزاعِيُّ واللَّيث والجُمهُور قالُوا: يُجزِئ مِن بَعد الفَجر ..
وقالَ الأَثرَم: سَمِعت أَحمَد سُئِلَ عَمَّن اغتَسَلَ ثُمَّ أَحدَثَ هَل يَكفِيه الوُضُوء ؟ فَقالَ: نَعَم.ولَم أَسمَع فِيهِ أَعلَى مِن حَدِيث ابن أَبزَى،يُشِير إِلَى ما أَخرَجَهُ ابن أَبِي شَيبَة بِإِسنادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى،عَنْ أَبِيهِ ؛ أَنَّهُ كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ،ثُمَّ يُحْدِثُ بَعْدَ الْغُسْلِ،ثُمَّ لاَ يُعِيدُ غُسْلًا" [2] ."
ومُقتَضَى النَّظَر أَن يُقال: إِذا عُرِفَ أَنَّ الحِكمَة فِي الأَمر بِالغُسلِ يَوم الجُمُعَة والتَّنظِيف رِعايَة الحاضِرِينَ مِنَ التَّأَذِّي بِالرّائِحَةِ الكَرِيهَة،فَمَن خَشِيَ أَن يُصِيبهُ فِي أَثناء النَّهار ما يُزِيل تَنظِيفه اُستُحِبَّ لَهُ أَن يُؤَخِّر الغُسل لِوقتِ ذَهابه،ولَعَلَّ هَذا هُو الَّذِي لَحَظَهُ مالِك فَشَرَطَ اتِّصال الذَّهاب بِالغُسلِ لِيَحصُل الأَمن مِمّا يُغايِر التَّنظِيف واللَّهُ أَعلَمُ" [3] ."
قلت: ويدلُّ على عدم الوجوب ما جاء عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ،أَتَيَاهُ فَسَأَلاهُ عَنِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوَاجِبٌ هُوَ ؟ فَقَالَ لَهُمَا ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنِ اغْتَسَلَ فَهُوَ أَحْسَنُ
(1) - المستدرك للحاكم (1044) صحيح
(2) - مصنف ابن أبي شيبة - (2 / 99) (5087) صحيح
(3) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة - (2 / 358)