قَوْلُهُ: ( الْيَهُود غَدًا وَالنَّصَارَى بَعْد غَد ) فِي رِوَايَة أَبِي سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ"فَهُوَ لَنَا،وَلِلْيَهُودِ يَوْم السَّبْت وَالنَّصَارَى يَوْم الْأَحَد"وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَنَا بِهِدَايَةِ اللَّه تَعَالَى وَلَهُمْ بِاعْتِبَارِ اِخْتِيَارهمْ وَخَطَئِهِمْ فِي اِجْتِهَادهمْ.قَالَ الْقُرْطُبِيّ: غَدًا هُنَا مَنْصُوب عَلَى الظَّرْف،وَهُوَ مُتَعَلِّق بِمَحْذُوفٍ وَتَقْدِيره الْيَهُود يُعَظِّمُونَ غَدًا،وَكَذَا قَوْلُهُ"بَعْد غَد"وَلَا بُدّ مِنْ هَذَا التَّقْدِير لِأَنَّ ظَرْف الزَّمَان لَا يَكُون خَبَرًا عَنْ الْجُثَّة.اِنْتَهَى.وَقَالَ اِبْن مَالِك: الْأَصْل أَنْ يَكُون الْمُخْبَر عَنْهُ بِظَرْفِ الزَّمَان مِنْ أَسْمَاء الْمَعَانِي كَقَوْلِك غَدًا لِلتَّأَهُّبِ وَبَعْد غَد لِلرَّحِيلِ فَيُقَدَّر هُنَا مُضَافَانِ يَكُون ظَرْفَا الزَّمَان خَبَرَيْنِ عَنْهُمَا،أَيْ تَعْيِيد الْيَهُود غَدًا وَتَعْيِيد النَّصَارَى بَعْد غَد ا ه.وَسَبَقَهُ إِلَى نَحْو ذَلِكَ عِيَاض،وَهُوَ أَوْجَه مِنْ كَلَام الْقُرْطُبِيّ.وَفِي الْحَدِيث دَلِيل عَلَى فَرْضِيَّة الْجُمُعَة كَمَا قَالَ النَّوَوِيّ،لِقَوْلِهِ"فُرِضَ عَلَيْهِمْ فَهَدَانَا اللَّه لَهُ"فَإِنَّ التَّقْدِير فُرِضَ عَلَيْهِمْ وَعَلَيْنَا فَضَلُّوا وَهُدِينَا،وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة سُفْيَان عَنْ أَبِي الزِّنَاد عِنْد مُسْلِم بِلَفْظِ"كُتِبَ عَلَيْنَا".
وَفِيهِ أَنَّ الْهِدَايَة وَالْإِضْلَال مِنْ اللَّه تَعَالَى كَمَا هُوَ قَوْل أَهْل السُّنَّة،وَأَنَّ سَلَامَة الْإِجْمَاع مِنْ الْخَطَأ مَخْصُوص بِهَذِهِ الْأُمَّة،وَأَنَّ اِسْتِنْبَاط مَعْنًى مِنْ الْأَصْل يَعُود عَلَيْهِ بِالْإِبْطَالِ بَاطِلٌ،وَأَنَّ الْقِيَاس مَعَ وُجُود النَّصّ فَاسِد،وَأَنَّ الِاجْتِهَاد فِي زَمَن نُزُول الْوَحْي جَائِز،وَأَنَّ الْجُمُعَة أَوَّل الْأُسْبُوع شَرْعًا،وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ تَسْمِيَة الْأُسْبُوع كُلّه جُمُعَة وَكَانُوا يُسَمُّونَ الْأُسْبُوع سَبْتًا كَمَا سَيَأْتِي فِي الِاسْتِسْقَاء فِي حَدِيث أَنَس،وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا مُجَاوِرِينَ لِلْيَهُودِ فَتَبِعُوهُمْ فِي ذَلِكَ،وَفِيهِ بَيَان وَاضِح لِمَزِيدِ فَضْل هَذِهِ الْأُمَّة عَلَى الْأُمَم السَّابِقَة زَادَهَا اللَّه تَعَالَى" [1] ."
كما أن شهر رمضان خيرتُه من شهور العام،وليلة القدر خيرتُه من الليالي،ومكةُ خيرتُه مِن الأرض،ومحمد - صلى الله عليه وسلم - خِيرتُه مِن خلقه.قَالَ آدَمُ بْنُ أَبِي إيَاسٍ: حَدّثَنَا شَيْبَانُ أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النّجُودِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ.قَالَ إنّ اللّهَ عَزّ وَجَلّ اخْتَارَ الشّهُورَ وَاخْتَارَ شَهْرَ رَمَضَانَ وَاخْتَارَ الْأَيّامَ وَاخْتَارَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاخْتَارَ اللّيَالِيَ وَاخْتَارَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ وَاخْتَارَ السّاعَاتِ وَاخْتَارَ سَاعَةَ الصّلَاةِ وَالْجُمْعَةُ تُكَفّرُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى
(1) - فتح الباري لابن حجر - (3 / 277)