فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 104

قلت: ومدار إنكار التبكير أول النهار على ثلاثة أمور،أحدها: على لفظة الرواح،وإنها لا تكون إلا بعد الزوال،والثاني: لفظة التهجير،وهي إنما تكون بالهاجرة وقت شدة الحر،والثالث: عمل أهل المدينة،فإنهم لم يكونوا يأتون من أول النهار.فأما لفظة الرواح،فلا ريب أنها تُطلق على المضى بعد الزوال،وهذا إنما يكون في الأكثر إذا قُرنت بالغُدوِّ،كقوله تعالى: {غُدُوّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} [سبأ: 12] ،وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"مَنْ غَدَا إِلَى المَسْجِدِ وَرَاحَ،أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ نُزُلَهُ مِنَ الجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ" [1] وقول الشاعر:

نَرُوحُ وَنَغْدُو لِحَاجَاتِنَا...وَحَاجَةُ مَنْ عَاشَ لا تَنْقَضِي

وقد يُطلق الرواح بمعنى الذهاب والمضي،وهذا إنما يجيء،إذا كانت مجردة عن الاقتران بالغدو...وهذا يدل على أن من صلَّى الصبح،ثم جلس ينتظِر الجمعة،فهو أفضلُ ممن يذهب،ثم يجيء في وقتها،وكون أهل المدينة وغيرهم لا يفعلون ذلك،لا يدلُّ على أنه مكروه،فهكذا المجيء إليها والتبكيرُ في أول النهار،والله أعلم.

الخامسة والعشرون: أن للصدقة فيه مزيةً عليها في سائر الأيام:

والصدقةُ فيه بالنسبة إلى سائر أيام الأسبوع،كالصدقةِ في شهر رمضان بالنسبة إلى سائر الشهور.وشاهدتُ شيخَ الإِسلام ابن تيمية قدس الله روحه،إذا خرج إلى الجمعة يأخذُ ما وجد في البيت من خبز أو غيره،فيتصدق به في طريقه سرًا،وسمعته يقول: إذا كان الله قد أمرنا بالصدقة بين يدي مناجاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ،فالصدقة بين يدي مناجاته تعالى أفضلُ وأولى بالفضيلة.عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اجْتَمَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَكَعْبٌ،فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ:"إِنَّ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ لَسَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى فِيهَا خَيْرًا إِلَّا آتَاهُ إِيَّاهُ"

فَقَالَ كَعْبٌ: أَلَا أُحَدِّثُكَ عَنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟فَقَالَ كَعْبٌ:"إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فَزِعَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ،وَالْبَرُّ وَالْبَحْرُ،وَالشَّجَرُ وَالثَّرَى،وَالْمَاءُ وَالْخَلَائِقُ،كُلُّهَا إِلَّا ابْنَ آدَمَ وَالشَّيْطَانَ"قَالَ:"وَتَحُفُّ الْمَلَائِكَةُ بِأَبْوَابِ الْمَسْجِدِ فَيَكْتُبُونَ مَنْ جَاءَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ،فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ طَوَوْا صُحُفَهُمْ،فَمَنْ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ جَاءَ بِحَقِّ اللَّهِ،وَلِمَا كُتِبَ عَلَيْهِ،وَحَقٌّ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ حَالِمٍ يَغْتَسِلُ فِيهِ كَغُسْلِهِ مِنَ الْجَنَابَةِ،وَلَمْ تَطْلَعِ الشَّمْسُ وَلَمْ تَغْرُبْ مِنْ يَوْمٍ أَعْظَمَ"

(1) - أخرجه ابن أبي شَيْبَة 13/317 (34600) . وأحمد 2/508 (10616) والبُخاري (662)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت