هذا كله قول عبد الملك بن حبيب،ثم رد عليه أبو عمر،وقال: هذا تحامل منه على مالك رحمه الله تعالى،فهو الذي قال القول الذي أنكره وجعله خُلفًا وتحريفًا من التأويل،والذي قاله مالك تشهد له الآثار الصحاح من رواية الأئمة،ويشهد له أيضًا العملُ بالمدينة عنده،وهذا مما يصحُ فيه الاحتجاجُ بالعمل،لأنه أمر يتردَّد كل جمعة لا يخفى على عامة العلماء.فمن الآثار التي يحتج بها مالك ما روي عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ،عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ،كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَائِكَةٌ يَكْتُبُونَ النَّاسَ عَلَى مَنَازِلِهِمْ،الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ،فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ طُوِيَتِ الصُّحُفُ،وَاسْتَمَعُوا الْخُطْبَةَ،فَالْمُهَجِّرُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً،ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ كَالْمُهْدِي بَقَرَةُ،ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ كَالْمُهْدِي كَبْشًا،حَتَّى ذَكَرَ الدَّجَاجَةَ وَالْبَيْضَةَ" [1] .قال: ألا ترى إلى ما في هذا الحديث،فإنه قال: يكتبونَ الناس الأول فالأول،فالمهجِّرُ إلى الجمعة كالمهدي بدنة،ثم الذي يليه فجعل الأول مهجرًا،وهذه اللفظة إنما هي مأخوذة من الهاجرة والتهجير،وذلك وقت النهوض إلى الجمعة،وليس ذلك وقتَ طلوع الشمس،لأن ذلك الوقت ليس بهاجرة ولا تهجير،وفي الحديث:"ثمَّ الذي يليه،ثمَّ الذي يليه".ولم يذكر الساعة.قال: والطرق بهذا اللفظ كثيرة،مذكورة في"التمهيد"،وفي بعضها"المتعجِّلُ إلى الجُمُعَةِ كالمُهْدِي بَدَنَةً".وفي أكثرها:"المهجِّرُ كالمُهْدِي جَزُورَا"الحديث.وفي بعضها،ما يدل على أنه جعل الرائح إلى الجمعة في أول الساعة كالمُهدي بدنة،وفي آخرها كذلك،وفي أول الساعة الثانية كالمهدي بقرة،وفي آخرها كذلك.وقال بعض أصحاب الشافعي: لم يُرد - صلى الله عليه وسلم - بقوله:"المهجِّرُ إلى الجُمُعَةِ كالمُهْدِيَ بَدَنَةً"،الناهض إليها في الهجير والهاجرة،وإنما أراد التارك لأشغاله وأعماله من أغراض أهل الدنيا للنهوض إلى الجمعة،كالمُهدي بدنة،وذلك مأخوذ من الهجرة وهو تركُ الوطن،والنهوضُ إلى غيره،ومنه سمِّي المهاجرون.وقال الشافعي رحمه الله: أحبُّ التبكير إلى الجمعة،ولا تُؤتى إلا مشيًا.هذا كله كلامُ أبي عمر.
(1) - مُسْنَدُ الْحُمَيْدِيِّ (908 ) صحيح