اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا،فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَشَا النَّاسُ وَكَثُرُوا،فَأَمَرَ مُؤَذِّنًا،فَأَذَّنَ بِالزَّوْرَاءِ قَبْلَ خُرُوجِهِ،يُعْلِمُ النَّاسَ أَنَّ الْجُمُعَةَ قَدْ حَضَرَتْ" [1] ."
والذي يظهر أن الناس أخذوا بفعل عثمان في جميع البلاد إذ ذاك لكونه خليفة مطاع الأمر،لكن ذكر الفاكهاني أن أول من أحدث الأذان الأول بمكة الحجاج،وبالبصرة زياد،وبلغني أن أهل المغرب الأدنى الآن لا تأذين عندهم سوى مرة،وروى ابن أبي شيبة عَنِ ابْنِ عُمَرَ،قَالَ: الأَذَانُ الأَوَّلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِدْعَةٌ [2] .،فيحتمل أن يكون في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ،وكل ما لم يكن في زمنه يسمى بدعة،لكن منها ما يكون حسنًا،ومنها ما يكون بخلاف ذلك. وتبين بما مضى أن عثمان أحدثه لإعلام الناس بدخول الوقت قياسًا على بقية الصلوات،فألحق الجمعة بها،وأبقى خصوصيتها بالأذان بين يدي الخطيب،وفيه استنباط معنى من الأصل لا يبطله. وأما ما أحدث الناس قبل وقت الجمعة من الدعاء إليها بالذكر والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو في بعض البلاد دون بعض،واتباع السلف الصالح أولى [3] .
ويقول الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في تعليقه على"سنن الترمذي": فائدة: في رواية عند أبي داود في هذا الحديث: كان يؤذي بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا جلس على المنبر يوم الجمعة على باب المسجد. فظن العوام،بل كثير من أهل العلم أن هذا الأذان يكون أمام الخطيب مواجهة،فجعلوا مقام المؤذن في مواجهة الخطيب،على كرسي أو غيره،وصار هذا الأذان تقليدًا صرفًا،لا فائدة له في دعوة الناس إلى الصلاة وإعلامهم حضورها،كما هو الأصل في الأذان والشأن فيه،وحرصوا على ذلك،حتى لينكرون على من فعل غيره. واتباع السنة أن يكون على المنارة أو عند باب المسجد،ليكون إعلامًا لمن لم يحضر،وحرصوا على إبقاء الأذان قبل خروج الإمام،وقد زالت الحاجة إليه،لأن المدينة لم يكن بها إلا المسجد النبوي،وكان الناس كلهم يجمعون فيه،وكثروا عن أن يسمعوا الأذان عند باب المسجد،فزاد عثمان الأذان الأول،ليعلم من بالسوق ومن حوله حضور الصلاة. أما الآن وقد كثرت المساجد،وبنيت فها المنارات،وصار الناس يعرفون وقت الصلاة بأذان المؤذن
(1) - المعجم الكبير للطبراني - (6 / 272) (6504 و6505) صحيح
(2) - مصنف ابن أبي شيبة - (2 / 140) (5479) صحيح
(3) - قاله الحافظ في"الفتح"2/394