المطلب الأول: صريح الطلاق وكنايته
تمهيد:
لابد لكل تصرف من صيغة أو وعاء يظهر الإرادة الباطنة ويدل عليها في خارج النفس.
والأصل في التصرفات عمومًا أن يعبر عنها بالقول - أي الألفاظ - أو ما يقوم مقامه من كتابة أو إشارة عند الحاجة إلى ذلك (1)
وفيما خلا قلة قليلة جدًا من علماء الإسلام فإن الطلاق لا يقع بالكلام النفسي، أي مجرد النية من غير كلام، فلو نوى طلاق امرأته لم تطلق، لقول النبي"إن الله تجاوز عن أمتى ما وسوست به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به" (2)
(1) راجع مباحث الصيغة في نظرية العقد في الشريعة الإسلامية للأستاذ الدكتور محمود عوض ط 1994
(2) الحديث رواه البخاري في الأيمان والنذور باب إذا حنث في الأيمان ناسيا، ومسلم في الأيمان باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر، واللفظ الذي معنا من رواية البغوى في شرح السنة 5/430
وقد علق الإمام الشوكانى على الحديث 6/245 وما بعدها بقوله"وأورد - صاحب المنتقى - حديث أبى هريرة للاستدلال به على أن من طلق زوجته بقلبه ولم يلفظ بلسانه لم يكن لذلك حكم الطلاق، لأن خطرات القلب مغفورة للعبادة إذا كانت فيما فيه ذنب، فكذلك لا يلزم حكمها في الأمور المباحة فلا يكون حكم خطور الطلاق بالقلب أو إرادته حكم التلفظ به، وهكذا سائر الإنشاءات، قال الترمذى بعد إخراج هذا الحديث ما لفظه"والعمل على هذا عند أهل العلم أن الرجل إذا حدث نفسه بالطلاق لم يكن شيء حتى يتكلم به انتهى، وحكى في البحر عن عكرمة أنه يقع بمجرد النية". وانظر البحر الزخار 3/155. قلت وكذلك حكاه البغوى عن الزهرى ومالك، وقال ابن رشد في البداية 2/89"والمشهور عن مالك أن الطلاق لا يقع إلا باللفظ والنية"وحكاه ابن قدامه في المغني 10/123 عن ابن سيرين قال"فيمن طلق في نفسه: أليس قد علمه الله؟"."