فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 181

البُعْد المحسوس، وفي المعقول قليلًا، ويقال بَعِدَ: مات، والبَعَد أكثر ما يقال في الهلاك، ومنه قول النابغة:

فتلك تُبلغني النعمانَ إنَّ له ... فَضْلًا على الناسِ في الأَدنى وفي البَعَدِ

والبُعْد والبَعَد: ضد القُرب [1] . ولتقارب المعنى بينهما قُرِئَ بهما، قرأ أبو عبد الرحمن السلمي: (كَمَا بَعُدَتْ ثَمُود) [2] . على الأصل، إلاّ أن قراءة الجمهور بالكسر، والنحّاسُ يَعُدّ (بُعْدًا وَبَعْدًا) مصدرين للفعل (بَعِد) بمعنى هلك، ولكنّ الأرجح أَنّ

(بَعُد) تستعمل في الخير والشرّ ومصدرها البُعْد، وبَعِدت تستعمل في الشرّ خاصة، يقال: بَعِدَ يَبْعَد بَعَدًا، والبَعَدُ على قراءة الجماعة بمعنى اللعنة، وقد يجتمع معنى اللغتين لتقاربهما في المعنى، فيكون ممّا جاء مصدر على غير لفظهِ لتقارب المعاني" [3] ."

ولهذا التغاير في الصيغ معنى وهو أَنّ عذاب قوم صالح، وقوم شعيب كان بالصيحة إلاّ أنّ صيحة ثمود كانت من تحتهم، وصيحة مدين كانت من فوقهم، فجاء التغيير لتخصيص معنى البعد بما يكون بسبب الهلاك [4] .

وهو في الحقيقة عدول عن القياس، إذ القياس بَعِدَ يَبْعَد بَعَدًا، من باب (فرح) ، وبَعُدَ يَبْعُدُ بُعْدًا من باب (كرُم) [5] . ودلالته هنا كما سمّاه أبو حيّان النحوي، الاستطراد:"وهو أَن تمدح شيئًا وتذمّه ثُمَّ تأتي في آخر الكلام بشيءٍ هو غرضك في أوّله" [6] . وهنا ذكر - سبحانه وتعالى - ثمود بالبُعد الذي هو ضدّ القرب أي صارت بعيدة من رحمة الله، ثم جيء بتوضيح هذا البُعْد بأَنّه هَلاك وفناء، وهو دلالة صيغة (بَعِدت) ، فَجُمع بين دلالتي البُعْد والهلاك، ليكون أشنع في العذاب، وأنكى في العقاب.

(1) ينظر: المفردات: ص 133؛ وديوان النابغة: ص 20؛ وشرح المعلقات، النحاس: 2/ 166.

(2) ينظر: اعراب القرآن، النحاس: 2/ 109؛ والمحتسب: 1/ 327؛ ومعجم القراءات القرآنية:

(3) الجامع لأحكام القرآن: 9/ 62.

(4) ينظر: تفسير البيضاوي: 3/ 37؛ وتفسير أبي السعود: 4/ 238؛ وروح المعاني: 12/ 129.

(5) ينظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي: 1/ 228.

(6) البحر المحيط: 5/ 257.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت