فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 181

2 ـ العدول عن الخوف إلى الخيفة:

جاء العدول عن الخوف إلى الخيفة في قوله تعالى: {ضَرَبَ لَكًمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (سورة الروم / 28) ضرب الله مثلًا لقوم يعقلون في معرض الردّ على المشركين الذين يعبدون من دون الله من مخلوقاته، بأنَّهم لا يرضون أن يشاركهم في الأموال ونحوها مماليكهم وهم مثلهم في البشرية غير مخلوقين لكم بل لله تعالى لكنهم يرضون بأن يجعلوا لله شركاء من خَلْقِه سبحانه تعالى [1] .

والخوف حاصل منهم بسبب الخشية من أَن يرثوهم بعد موتهم، أو أنّ الخوف حاصل بسبب خشيتهم من أَن يقاسموهم الأَموال [2] . والخوف في اللغة:"توقّع مكروهٍ عن أمارة مظنونة أو معلومة"وأما الخيفة: فهي الحالة التي عليها الانسان من الخوف" [3] ، أي هي اسم هيئة على نحو الجِلسة والقِعدة، إذ يقال: فلان حَسَنُ الجِلسة والقِعدة، أي أنّ جلسته وقعدته حسنة لا تكاد تفارقها هذه الهيئة الحسنة [4] . فيكون معنى الخيفة حالة الخوف الدائمة، قال الراغب:"قوله تعالى {تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ} أي: كخوفكم، وتخصيص لفظِ الخيفة تنبيهًا أَنَّ الخوف منهم حالةٌ لازمة لا تفارقهم" [5] . ومثله قوله تعالى في قصة موسى (- عليه السلام -) : {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى - قُلْنَا لا تَخَفْ} (سورة طه / 67 ـ 68) لما لازم من حالة الخوف"

والرهبة موسى (- عليه السلام -) عندما رأى عِصيَّ السحرةِ وحبالَهم أَنَّها تسعى، قال تعالى: {قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى - قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} (سورة طه / 65 ـ 66) .

فتبيّن أَنَّ العدول عن الخوف إلى الخيفة للدلالة على إرادة معنى دلالة اسم الهيئة وهي ملازمة لا طارئة على نحو الخوف.

(1) ينظر: جامع البيان: 21/ 38؛ وروح المعاني: 7/ 59.

(2) ينظر: جامع البيان: 21/ 39.

(3) المفردات: ص 303.

(4) ينظر: معاني الأَبنية في العربية: ص 38.

(5) المفردات: ص 303.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت