فهرس الكتاب
3 ـ العدول عن مسموع إلى مُسْمَع:
قال تعالى على لسان الذين هادوا في خطابهم للنبي (- صلى الله عليه وسلم -) : {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ} (سورة النساء / 46) .
فالعدول حاصل في مجيء (مُسْمَع) وهو اسم مفعول من (أَسْمَع) ، إذ القياس أَن يكون (مسموع) من الثلاثي الذي ورد بصيغة فعل الأمر (اسمع) في الآية، وإنّما نهي اليهود عن استعمالهم هذه الصيغة لأنها تحتمل المدح وتحتمل الذمّ، واحتمال المدح فيها متأتٍ من قولهم: أَسْمَعَ فلانٌ فلانًا إذا سَبَّهُ، فقولهم: {وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ} أي: غير مُسْمَع مكروهًا، واحتمال الذمّ فيه آتٍ من قولهم: اسمع منّا مدعوًا عليك ـ بلا سَمِعْت؛ لأنه لو أُجيبت دعوتهم عليه لم يسمع، فكان أَصمّ غير مُسْمَع، قالوا ذلك اتّكالًا على أَن قولهم ـ لا سمعت ـ دعوة مستجابة، أو اسمع غير مُجاب إلى ما تدعو إليه. ومعناه: غير مسمَع جوابًا يوافقك، فكأنك لم تسمع شيئًا، أو اسمع غير مسمع كلامًا ترضاه، فسمعك عنه نابٍ [1] . والصحيح أنّ المراد بقولهم:
{وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ} ، الدعاء على النبي (- صلى الله عليه وسلم -) ـ بلا سَمِعْت، أي يدعون عليه بالصمم، وهم يُظهرون أنهم يريدون: اسمع غير مسمَع مكروهًا ولا أَذىً، وعليه أكثر المفسرين [2] .
ولكنه العدول عن (مسموع) إلى (مُسْمَع) مع أنه القياس؛ لأن فيه معنى الإلباس الذي يريد أن يُوضّحه النص القرآني محاكاة لحال اليهود في ارادتهم الذم والشرّ، ولكن بلباس يظهر أوّل ولهة وأنّ به معنى المدح والخير، قال البيضاوي وضعوا:" {غَيْرَ مُسْمَعٍ} موضع لا أُسمعْتَ مكروهًا أو فتلًا بها وضمًا ما يظهرون من الدعاء والتوقير إلى ما يضمرون من السبّ والتحقير نفاقًا {وَطَعْنًا في الدّينِ} وطعنًا بالدين واستهزاء به وسخرية" [3] ، فيكون هذا الكلام في حكم غير المسموع؛ لأن مالا يرتضيه
(1) ينظر: الكشاف: 1/ 517؛ والتفسير الكبير: 1/ 122.
(2) ينظر: الجامع لأحكام القرآن: 5/ 157؛ وتفسير الخازن: 1/ 365.
(3) تفسير البيضاوي: 2/ 90 ـ 91.