السامع لا يتوجّه بسمعه إليه حتى يسمع بكماله، فكأنه غير مسموع [1] . فَخُولِف بين الصيغتين للدلالة على الجمع بلين السماع والإسماع في المعنى لإرادة الإلباس محاكاةً لسياق الحال في الآية.
4 ـ العدول عن القراءة إلى القرآن:
قال تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ - فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ}
(سورة القيامة / 17 ـ 18) وهذا أمر للنبي (- صلى الله عليه وسلم -) بالاستماع لجبريل (- عليه السلام -) حين يقرأ عليه القرآن لأجل فهم أحكامه وأوامره ونواهيه للعمل به، قال الطبري:
"ودللنا على أن معنى قوله (قرآنه) قراءته فقد بيّن ذلك عن معنى قوله {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ - ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} " [2] أي: أن معنى (قرآنه) : قراءته [3] . ومنه قول حسان ابن ثابت:
ضَحّوا بأشمطَ عنوانُ السجود به ... يُقطّع الليلَ تسبيحًا وقُرآنا
أي: قراءة [4] ، والآية تعليم للنبي (- صلى الله عليه وسلم -) بعدم العجلة في أخذ القرآن مخافة أن يتفلّت منك بأن تحرك به لسانك؛ لأنّ الله هو الذي تكفل بإثبات قراءته في لسانك وهو تعليل للنهي، بحيث إذا قرأناه عليك بلسان جبريل فكرر قراءته حتى يرسخ في ذهنك [5] .
وبذلك يتبين أنَّ العدولَ عن (القراءة) وهي المصدر المقيس إلى (القُرآن) وهو المصدر السماعي، عدولٌ مقصود يراد منه بيان دلالة التحرك والمبالغة في قراءة القرآن من أَجل التثبت في معرفة أحكامه للعمل بها، وهو ما تدل عليه صيغة (فُعلان) وهي الحركة والمبالغة، قال ابن عباس:"إذا جمعناه وأثبتناه في صدرك فاعمل به" [6] ، في حين لا يتحقق في القراءة إلاّ معنى"ضم الحروف والكلمات بعضها إلى بعض في"
(1) ينظر: حاشية الكازورني: 2/ 91.
(2) جامع البيان: 29/ 190.
(3) ينظر: الكشاف: 4/ 661؛ والتفسير الكبير: 30/ 224.
(4) ينظر: المحرر الوجيز: 15/ 215، والبيت غير موجود في الديوان.
(5) ينظر: تفسير البيضاوي: 5/ 422.
(6) المفردات: ص 668.