عامّ مطلق، وهو ما تسكن إليه النفوس، ويزول به الخلاف [1] . ومجيء
(صلحًا) معدولًا به عن (الإصلاح) الذي هو المصدر المقيس للفعل (يُصلح) للدلالة على إرادة المعنيين الصلح والإصلاح، إذ لا يمكن تصور وجود صلح من دون إصلاح يسبقه، والإصلاح مستعمل في التنازع والتشاجر، قال تعالى: {إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} (سورة النساء / 114) [2] . فالصلاح بمعنى الإصلاح [3] ، إذ إنّ التقدير: (أن يُصْلحا بينهما إصلاحًا) ، ونكتة العدول عن
(إصلاحًا) هي أنه لما كان المأمور به يحصل بأَقل ما يقع عليه اسم الصلح بُني المصدر على غير القياس، فجاء من الفعل المجرد (يُصلح) وهو (الصلح) ، ويحصل بأن تلين المرأة فتترك بعض المهر أو بعض القسم أو نحو ذلك، وأن يلين لها هو بإحسان العشرة في مقابلة ذلك [4] . هذا فضلًا عن أن (الصلح) لا يحصل إلاّ بعد إصلاح، فجاء العدول للدلالة على المعنيين.
2 ـ العدول عن الإضلال إلى الضلال:
قال تعالى في وصف المنافقين: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا} (النساء / 60) .
في قوله تعالى: {يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا} عدول عن القياس؛ ولهذا فإنّ (ضلالًا) انتصب"على المعنى أي فيضلون ضلالًا" [5] ، قال أبو حيان:"ضلالًا ليس جاريًا على يُضلّهم فيحتمل أن يكون جعل مكان إضلال، ويحتمل أن يكون مصدرًا مطاوع يضلهم أي فيضلون ضلالًا بعيدًا" [6] ، فأبو حيان يرى أن ضلالًا في الآية يحتمل أن يكون مصدرًا لفعل محذوف مطاوع أضلّ، أي يريد الشيطان أن يضلهم فيضلون ضلالًا بعيدًا. والأرجح أنه معدول عن القياس (إضلال) ، وأما ضلال فهو مصدر
(ضلّ) ، قال تعالى: {فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا} (سورة النساء /116) "والمعنى: أن"
(1) ينظر: المحرر الوجيز: 4/ 247 ـ 248.
(2) ينظر: التفسير الكبير: 11/ 67؛ والجامع لأحكام القرآن: 5/ 260.
(3) ينظر: تفسير البيضاوي: 2/ 120؛ وحاشية الكازروني: 2/ 120.
(4) ينظر: نظم الدرر: 5/ 422.
(5) الجامع لأحكام القرآن: 5/ 171.
(6) البحر المحيط: 3/ 280.